بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَالِقِ الإِصْبَاحِ، وَجَاعِلِ اللَّيْلِ سَكَنًا، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرَ حُسْبَانًا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَنْزَلَ لَهُ مِنْ كِتَابِهِ أَصَحَّ مَنْهَجٍ وَقَوِيمٍ، وَحَذَّرَهُ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَقَامَ الحُجَّةَ، وَأَوْضَحَ المَحُجَّةَ، وَهَدَى إِلَى الرَّشَادِ. وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ وَالنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَتَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ الخَاطِئَةَ أَوَّلًا بِتَقْوَى اللَّهِ العَظِيمِ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ، وَالحَذَرِ كُلِّ الحَذَرِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنْ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَأَنْ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى.
—-------------------------------
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ الحَرْبَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الإِنْسَانِ وَالشَّيْطَانِ، حَرْبٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، بَدَأَتْ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، مَشْهَدٌ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ، يَكْشِفُ فِيهِ عَدُوُّنَا الأَوَّلُ، إِبْلِيسُ اللَّعِينُ، عَنْ خُطَّتِهِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ الكُبْرَى لِإِهْلَاكِ البَشَرِيَّةِ. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِبْلِيسَ وَهُوَ يُعْلِنُ التَّحَدِّيَ:
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} الأعراف.
تَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}. الشَّيْطَانُ لَا يَقْعُدُ فِي حَانَاتِ الخَمْرِ، وَلَا فِي بُيُوتِ الفُجُورِ فَحَسْبُ،
بَلْ هُوَ قَاعِدٌ بِالمِرْصَادِ عَلَى أَوَّلِ خَطْوَةٍ فِي صِرَاطِ اللَّهِ؛ لِيَحْرِفَ السَّائِرِينَ، وَيُزِيحَ المُوَحِّدِينَ. وَأَقْسَمَ قَسَمًا غَلِيظًا فَقَالَ: "لَأُضِلَّنَّهُمْ". وَفِي آيَةٍ أُخْرَى يَكْشِفُ القُرْآنُ وَسَائِلَ هَذَا الإِضْلَالِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} النساء.
هَذِهِ هِيَ الوُعُودُ الإِبْلِيسِيَّةُ: إِضْلَالٌ، وَأَمَانِيُّ بَاطِلَةٌ، وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ وَفِطْرَتِهِ. وَالشَّيْطَانُ حِينَ يُزَحْزِحُ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، لَا يَجُرُّهُمْ إِلَى القُبْحِ عَارِيًا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الفِطْرَةَ الإِنْسَانِيَّةَ تَنْفِرُ مِنَ القُبْحِ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ بَابِ المُنِيَّاتِ وَالأَوْهَامِ البَرَّاقَةِ، فَيُسَمِّي الضَّلَالَ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَيُغَلِّفُ الِانْحِرَافَ بِأَسْمَاءٍ تَخْلِبُ العُقُولَ.
[بَدَائِلُ الشَّيْطَانِ: الأَصْنَامُ الفِكْرِيَّةُ المُعَاصِرَةُ]
أَيُّهَا الإِخْوَةُ:
إِنَّ الصِّرَاطَ البَدِيلَ الَّذِي قَعَدَ الشَّيْطَانُ يُمَنِّي البَشَرِيَّةَ بِهِ فِي هَذَا العَصْرِ، صِيغَ فِي قَوَالِبَ وَشِعَارَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ جَذَّابَةٍ: الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ المُطْلَقَةُ، الحُرِّيَّةُ الفَرْدِيَّةُ المُتَفَلِّتَةُ، وَالعَقْلَانِيَّةُ المَادِّيَّةُ المُجَرَّدَةُ.
لَقَدْ قَالَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ المُعَاصِرِ: "إِنَّكَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى وَحْيِ السَّمَاءِ لِيُدِيرَ حَيَاتَكَ، عَقْلُكَ هُوَ إِلَهُكَ، وَحُرِّيَّتُكَ هِيَ مِحْرَابُكَ، وَصُنْدُوقُ الِاقْتِرَاعِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَلِّلَ الحَرَامَ وَيُحَرِّمَ الحَلَالَ".
فَتَأَلَّهَ الإِنْسَانُ( ماسك، أغنى مخلوق العصر)، وَظَنَّ أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ،
وَلِسَانُ حَالِ الحَضَارَةِ المَادِّيَّةِ المُعَاصِرَةِ يَقُولُ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}. وَنَسِيَ الإِنْسَانُ المِسْكِينُ أَنَّهُ بِدُونِ نُورِ الوَحْيِ كَائِنٌ أَعْمَى يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلُمَاتِ (كحاطب الليل)، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} الأنعام.
المَظَاهِرُ العَمَلِيَّةُ لِلِانْحِطَاطِ الإِنْسَانِيِّ]
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
عندما نَزِنُ هَذِهِ الحَضَارَةَ المَادِّيَّةَ بِمِيزَانِ الوَاقِعِ، وَنَنْظُرْ أَيْن وَصَلَتِ البَشَرِيَّةُ عِنْدَمَا تَرَكَتِ الدِّينَ وَرَاءَ ظَهْرِهَا نِسْيًا مَنْسِيًّا، نراها تَعِيشُ حَالَةً مِنَ الِانْحِطَاطِ الأَخْلَاقِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ، رَغْمَ صُعُودِهَا التَّقْنِيِّ. وَنَرَى ذَلِكَ جَلِيًّا فِي مَظَاهِرَ شَتَّى:
أَوَّلًا: التَّوَحُّشُ وَالجَرَائِمُ الأُمَمِيَّةُ وَنَهْبُ الثَّرَوَاتِ:
لَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الدُّوَلُ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّقَدُّمِ العِلْمِيِّ؛ صَنَعُوا الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ، وَغَزَوُا الفَضَاءَ، وَفَجَّرُوا الذَّرَّةَ. وَلَكِنْ لِأَنَّ هَذَا العِلْمَ مَعْزُولٌ عَنْ تَقْوَى اللَّهِ وَعَنْ وَحْيِ السَّمَاءِ، تَحَوَّلَ إِلَى وَسِيلَةِ دَمَارٍ شَامِلٍ.
نَرَى اليَوْمَ دُوَلًا تَدَّعِي الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ وَحُقُوقَ الإِنْسَانِ، تَقُودُ سِبَاقَ تَسَلُّحٍ مُرْعِبًا، وَتَمْتَلِكُ مِنَ القَنَابِلِ النَّوَوِيَّةِ مَا يُمْكِنُهُ مَحْوُ أُمَمٍ بِأَكْمَلِهَا مِنَ الخَارِطَةِ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ.
إِنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ أَسَاطِيلَهُمْ وَجُيُوشَهُمْ، وَيُثِيرُونَ الفِتَنَ وَالحُرُوبَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ: لِافْتِكَاكِ خَيْرَاتِ الشُّعُوبِ المُسْتَضْعَفَةِ، وَسِرْقَةِ نَفْطِهَا وَغَازِهَا وَثَرَوَاتِهَا، تَمَامًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ البَشَرِ: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]. إِنَّهَا حَضَارَةُ الإِبَادَةِ المُغَلَّفَةُ بِشِعَارَاتِ السَّلَامِ!
ثَانِيًا: الحَرْبُ عَلَى الفِطْرَةِ وَاسْتِهْدَافُ الطُّفُولَةِ:
عَبْرَ التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، كَانَ العُصَاةُ يَقَعُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمَعَاصِي، لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ. أَمَّا اليَوْمَ، فَالحَضَارَةُ المَادِّيَّةُ تُقَنِّنُ الجَرِيمَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ وَتَفْرِضُهَا فَرْضًا.
وَوَصَلَ الِانْحِطَاطُ الإِنْسَانِيِّ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي الحَرْبِ الشَّرِسَةِ المُمَنْهَجَةِ عَلَى الطُّفُولَةِ؛ فَصِرْنَا نَرَى قَادَةَ دُوَلٍ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَعْلِيمِيَّةً، وَمُنَظَّمَاتٍ صِحِّيَّةً دَوْلِيَّةً، يَجْرُونَ وَرَاءَ الأَطْفَالِ الأَبْرِيَاءِ فِي المَدَارِسِ وَرِيَاضِ الأَطْفَالِ، لِيَزْرَعُوا فِي عُقُولِهِمُ الغَضَّةِ إِمْكَانِيَّةَ "تَغْيِيرِ جِنْسِهِمْ"!
يُعْطُونَ الأَطْفَالَ العَقَاقِيرَ الطِّبِّيَّةَ وَمُثَبِّطَاتِ الهِرْمُونَاتِ، وَيُجْرُونَ لَهُمُ العَمَلِيَّاتِ الجِرَاحِيَّةَ لِمَسْخِ هُوِيَّتِهِمُ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَكُلُّ هَذَا تَحْتَ لَافِتَةِ "الحُرِّيَّةِ الجِنْدِرِيَّةِ" وَحُقُوقِ "المِثْلِيَّةِ"!
أَلَيْسَ هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ حِينَ قَالَ: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}؟ إِنَّهُ الِانْتِكَاسُ الفِطْرِيُّ الكَامِلُ، حَيْثُ تَتَنَكَّرُ الطَّائِفَةُ البَشَرِيَّةُ الحَاكِمَةُ اليَوْمَ لِأَبْسَطِ بَدِيهِيَّاتِ البِيُولُوجْيَا وَالفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
ثَالِثًا: انْهِيَارُ مَنْظُومَةِ الأُسْرَةِ وَتَحْوِيلُ الإِنْسَانِ إِلَى مَادَّةٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ:
حِينَ غَابَ الدِّينُ، هُدِمَتِ الأُسْرَةُ؛ فَالمَرْأَةُ فِي هَذِهِ المَنْظُومَةِ المَادِّيَّةِ تُسْتَغَلُّ فِي أَسْوَاقِ الإِعْلَانَاتِ وَالمُتَعِ.
وَالآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ يُتْرَكُونَ فِي مَلَاجِئِ العَجَزَةِ وَالمُسِنِّينَ عِنْدَ الكِبَرِ بِلَا أَنِيسٍ وَلَا رَحْمَةٍ.
زَادَتْ نِسَبُ الِانْتِحَارِ، وَتَفَشَّتِ الأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ وَالِاكْتِئَابُ رَغْمَ وَفْرَةِ المَالِ وَالرَّفَاهِيَةِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 124]. ضَنْكُ النَّفْسِ، وَضَنْكُ الرُّوحِ، وَضَنْكُ الأَخْلَاقِ.
- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ المَشْهَدَ القَاتِمَ لِلْحَضَارَةِ المَادِّيَّةِ المُنْفَصِلَةِ عَنِ اللَّهِ يُرَسِّخُ فِي قُلُوبِنَا يَقِينًا إِيمَانِيًّا وَاحِدًا: أَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْبَشَرِيَّةِ، وَلَا سَعَادَةَ، وَلَا اسْتِقْرَارَ، وَلَا أَمْنَ بِلَا دِينٍ.
إِنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ وَحْدَهُ قَاصِرٌ. العَقْلُ بِلَا وَحْيٍ كَالعَيْنِ فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ؛ العَيْنُ عُضْوٌ سَلِيمٌ وَمُبْصِرٌ، وَلَكِنَّهَا إِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا أَشِعَّةُ النُّورِ لَا تَرَى شَيْئًا وَتَتَخَبَّطُ فِي الجُدْرَانِ. وَالوَحْيُ هُوَ نُورُ العَقْلِ، فَإِذَا عُزِلَ الوَحْيُ، تَفَرْعَنَتِ العُقُولُ وَأَنْتَجَتْ دَمَارًا وَمَسْخًا.
إِنَّ القِيَمَ الَّتِي يَتَغَنَّى بِهَا الغَرْبُ اليَوْمَ مِنْ حُرِّيَّةٍ وَعَقْلَانِيَّةٍ وَدِيمُقْرَاطِيَّةٍ، مَا لَمْ تَكُنْ مُنْضَبِطَةً بِحُدُودِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامِ رَبِّ العَالَمِينَ، تَتَحَوَّلُ إِلَى فَوْضَى بَهِيمِيَّةٍ يَذُوبُ فِيهَا الإِنْسَانُ، وَيَنْحَدِرُ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَدْنَى مِنْ مَرْتَبَةِ الأَنْعَامِ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقَلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]. بَلْ إِنَّ الحَيَوَانَاتِ فِي الغَابَاتِ لَا يُغَيِّرُ ذَكَرُهَا جِنْسَهُ لِيَصِيرَ أُنْثَى، فَصَارَ هَؤُلَاءِ المُنْحَرِفُونَ أَضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الحَيَوَانِ!
[التَّوْصِيَاتُ وَالوَاجِبُ العَمَلِيُّ]
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا فِي هَذَا العَصْرِ المُتَلَاطِمِ بِأَمْوَاجِ الفِتَنِ وَالأَفْكَارِ المَسْمُومَةِ، يَتَلَخَّصُ فِي أُمُورٍ:
الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ وَالوَعْيُ بِمَكَائِدِ الفِكْرِ المُعَاصِرِ: يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الهَجْمَةَ الفِكْرِيَّةَ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لَيْسَتْ عَفْوِيَّةً، بَلْ هِيَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِوُعُودِ إِبْلِيسَ. فَلَا نَنْبَهِرْ بِشِعَارَاتِهِمُ البَرَّاقَةِ.
حِمَايَةُ الأُسْرَةِ وَتَحْصِينُ النَّاشِئَةِ: اِلْتَفِتُوا إِلَى أَطْفَالِكُمْ، عَلِّمُوهُمُ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، اِغْرِسُوا فِيهِمُ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةِ، بَيِّنُوا لَهُمْ أَحْكَامَ الذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ كَمَا شَرَعَهَا اللَّهُ، وَحَصِّنُوهُمْ بِحَلَقَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَمَجَالِسِ العِلْمِ قَبْلَ أَنْ تَتَخَطَّفَهُمْ شَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالجِنِّ.
الِاعْتِزَازُ بِالهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْعُرَ بِالدُّونِيَّةِ أَوْ الهَزِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ أَمَامَ التَّقَدُّمِ التِّكْنُولُوجِيِّ لِلْغَرْبِ. نَحْنُ نُقَدِّرُ العِلْمَ المَادِّيَّ وَنَأْخُذُ بِأَسْبَابِهِ، وَلَكِنَّنَا نَمْلِكُ مَا لَا يَمْلِكُونَ؛ نَمْلِكُ النُّورَ الَّذِي يُوَجِّهُ هَذَا العِلْمَ لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لَا لِتَدْمِيرِهَا.
[الدُّعَاءُ وَالخِتَامُ]
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنْ فِتَنِ هَذَا الزَّمَانِ، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَاصْرِفْ عَنَّا كَيْدَ الشَّيْطَانِ المَلْعُونِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.