بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الحمدُ للهِ الذي بلَّغنا مواسمَ الخيرات، وفتح لنا أبوابَ الرَّحمات، وجعل لنا من الأوقات ما تُغفَرُ فيه الزَّلَّات،
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهدُ أن سيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
—-----------------------------
أيها الإخوة،
قبلَ أن نتحدَّثَ عن استقبالِ شهرِ رمضان، لا بُدَّ أن نُقَرِّرَ في البدايةِ حقيقةً مهمَّةً، وهي أنَّ كلَّ ما نتعلَّمُه ونسمعُه ونتذكَّرُه من أمرِ الدِّينِ، سيكونُ يومًا ما إمَّا شاهدًا لنا أو شاهدًا علينا. فلا يَسَعُ أحدَنا بعد ذلك أن يقولَ: لم أسمع، أو ليس لي علمٌ ولا خبر؛ إذ قد قامتِ الحُجَّةُ، وانقطعَ العُذرُ، ولا سيَّما في عصرِنا هذا الذي تيسَّرت فيه سُبُلُ العِلم، وتعدَّدت فيه وسائلُ التذكير والبيان.
نقول و بالله التوفيق:
أوَّلًا: رَمَضَانُ فُرْصَةٌ سَنَوِيَّةٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ كُلِّهَا
أيُّها الإخوةُ الكرام،
نحن أمامَ فُرصةٍ لا تتكرَّرُ إلَّا مرَّةً واحدةً في العام،
فُرصةٍ يُمكن أن يُغفَرَ لنا بها كلُّ الذنوبٍ التي اقترفناها في الماضي؟
روى أبو هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَقِيَ المنبرَ فقال:«آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ».
فقيل: يا رسولَ اللهِ، ما كنتَ تصنعُ هذا؟
فقال ﷺ:«قالَ جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ».(أخرجه البزَّار، وصحَّحه
يقول النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه.
أمران عظيمان يجتمع بهما كمال العمل وقبوله:
أولًا: إيمانًا
أي: تصديقًا بالله تعالى، وإيمانًا بفرضية هذه العبادة، وبوعد الله عليها، وبما أعدَّه من الأجر والثواب، مع الإذعان لأمره، والانقياد لحكمه، من غير تردُّد ولا شكّ.
ثانيًا: احتسابًا
أي: طلبًا للأجر من الله تعالى وحده، وإخلاصًا له في العمل، لا رياءً ولا سُمعة، ولا عادةً ولا مجرَّد موافقة للناس،
بل يقوم بالعبادة محتسبًا ثوابها عند الله،
صابرًا على مشقَّتها، راجيًا ما عنده سبحانه.
أيها الإخوة،
الصيامُ فرصة، ورمضانُ بابٌ مفتوح: إمّا أن تَفتح فيه صفحةً جديدة،
وإمّا أن تؤجِّل… فتفوتك أعظمُ الفرص.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾البقرة
ثَانِيًا: رَمَضَانُ وِقَايَةٌ مِنَ العَذَابِ وَالمَصَائِبِ
أيُّها الأحبَّة: المصائب ..العذاب..الفقر..المرض..المهانة كلّها من العذاب ..لا أحد يحب هذا باتفاق..
اسمعوا إلى هذا الحديث العظيم، الذي قال بعضُ أهل العلم:
هو من أعظم ما يُذكَر في استقبال رمضان.
عن معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال:
«كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ:
يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟
قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا،
وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟
قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» متفق عليه
دلالة الحديث:
التوحيدُ الصادق أمانٌ من العذاب ( و اللفظ مطلقا).
ورمضانُ مدرسةُ الإخلاص وتجديد العهد مع الله.
لكن مع العمل، والعبادة، والاجتهاد.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات.
فرمضان فرصة: لمغفرة الذنوب، والوقاية من العذاب، وتجديد التوحيد، والعودة الصادقة إلى الله.
رَمَضَانُ تَرْبِيَةُ الإِرَادَةِ وَقِفْزَةٌ نَوْعِيَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ
أيُّها الإِخْوَةُ الكِرَام،
في وَسَطِ المُسْلِمِينَ مُشْكِلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وهي أنَّ الحَقَّ مَعْرُوفٌ، والحَقَّ بَيِّنٌ، والباطِلَ بَيِّنٌ، والحَلالَ بَيِّنٌ، والحَرَامَ بَيِّنٌ،
فما بالُ أقوامٍ يَقَعُونَ في الحَرَامِ، وتَضْعُفُ نُفُوسُهُم عن أَكْلِ الحَلالِ؟
بعضُ الناسِ يَعْزُو ذلك إلى ضَعْفِ الإِرَادَة،
ونقول: نَعَم، ولكنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ هو المُرَبِّي،
وهو الذي يُرَبِّينا في شَهْرِ رَمَضَانَ،
وفي رَمَضَانَ تَقْوَى الإِرَادَةُ سَبَبًا وَأَثَرًا.
الصيام تربية إلهية واضحة لتقوية الإرادة:
حينما نَقْضِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا في صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، كُلَّ لَيْلَةٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً،
فِي أَوَّلِ يَوْمِ العِيدِ تَكُونُ صَلَاةُ العِشَاءِ خَفِيفَةً جِدًّا..4+2+1 أما في رمضان:
فَرَضٌ، وَسُنَّةٌ، وَعِشْرُونَ رَكْعَةً، وَوِتْرٌ.
فلذلك تَجِدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ رَمَضَانَ سَهْلَةً؛
لأنَّ اللهَ أَلْزَمَكَ فِي رَمَضَانَ بِالمُجَاهَدَةِ.
رَمَضَانُ شَهْرُ تَقْوِيَةِ الإِرَادَة، ولهذا نَرَى المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ:
يَغُضُّونَ الأَبْصَارَ، يَضْبِطُونَ الأَلْسِنَةَ، يُكْثِرُونَ مِنَ القُرْآنِ،
يُصَلُّونَ الفَجْرَ فِي المَسَاجِدِ؛ لأَنَّهُمْ اسْتَيْقَظُوا لِلسَّحُورِ.
عَوَّدَكَ اللهُ شَهْرًا كَامِلًا لَعَلَّكَ تَسْتَمِرُّ طُولَ العَامِ.
***********
في هذه المناسبة، لا بُدَّ أن نُنَبِّهَ إلى أمرٍ خطيرٍ مُحْبِطٍ للأعمالِ على اختلافِ أنواعِها، ومن أعظمِها صيامُ شهرِ رمضان،
وهو قطيعةُ الأرحام (مثل الوالدين، الإخوة، الأعمام، والأخوال. وترك الإحسان إليهم أو تعمد الإساءة لهم.).
نُقولٍ عن الإمام الغزالي وابن القيم،
"إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُفْسِدُ الطَّاعَاتِ وَيَحْجُبُ ثِمَارَهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: قَطِيعَةَ الأَرْحَامِ، فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ يُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَيَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ، وَقَلْبُهُ مَمْلُوءٌ بِالْهَجْرِ وَالْقَطِيعَةِ وَالْعَدَاوَةِ لِأَقَارِبِهِ،
فَيَكُونُ سَعْيُهُ مَرْدُودًا أَوْ مَوْقُوفًا عَنْ الْقَبُولِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ:
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ محمد.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا أَنَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ حَاجِزٌ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ:
(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ )) متفق عليه
التفسير الفقهي:
لا يدخلها مباشرة مع السابقين، بل يُحبس عنها أو يُعذب بقدر ذنبه ثم يدخلها كونه مسلماً.
أو لا يدخلها أبداً إن كان مستحلاً للقطيعة (يعتقد أنها حلال) رغم علمه بتحريمها.
٣. خطورة الذنب: قطيعة الرحم من الكبائر التي تمنع قبول العمل وتجلب اللعنة في الدنيا والآخرة كما ورد في القرآن الكريم.
وَبَلَغَ الأَمْرُ أَنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُرْفَعُ عَمَلُ قَاطِعِ الرَّحِمِ،
فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )) مسلم.
فَكَيْفَ يَرْجُو عَبْدٌ قَبُولَ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، وَهُوَ يُصِرُّ عَلَى قَطْعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ؟!
إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ لَيْسَتْ أَمْرًا ثَانَوِيًّا، بَلْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْ أَسْبَابِ بَرَكَةِ الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ، وَمِنْ شُرُوطِ كَمَالِ التَّقْوَى.
فَمَنْ أَرَادَ طَاعَةً مَقْبُولَةً، وَعَمَلًا مَرْفُوعًا، فَلْيُصْلِحْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلْيَصِلْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْحَامِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا.
إِنَّ قَطِيعَةَ الأَرْحَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذَنْبٍ عَابِرٍ، بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ،
وَتَحْجُبُ الْأَعْمَالَ عَنِ الْقَبُولِ، وَتَنْقُضُ مَقَاصِدَ الطَّاعَاتِ، وَإِنْ كَثُرَتْ ظَوَاهِرُهَا.
فَكَمْ مِنْ مُتَعَبِّدٍ قَائِمٍ صَائِمٍ، يَظُنُّ أَنَّ كَثْرَةَ نَوَافِلِهِ تُجْبِرُ كَسْرَ قَطِيعَتِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ هَدَمَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، فَقَدْ سَعَى فِي نَقْضِ بِنَاءِ تَقْوَاهُ بِيَدِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا دَقِيقًا، فَقَالَ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَعْنًى:
«إِنَّ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةَ مَعَ خَرَابِ الْقَلْبِ لَا تُثْمِرُ قُرْبًا، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنَ الطَّاعَاتِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَإِصْلَاحُ السَّرِيرَةِ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ قَسْوَةِ الْقَلْبِ».
فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الطَّاعَةَ الَّتِي لَا تُهَذِّبُ الأَخْلَاقَ، وَلَا تَدْفَعُ إِلَى الصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ، طَاعَةٌ صُورِيَّةٌ خَالِيَةٌ مِنْ رُوحِهَا.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا فِي مَعْنًى جَلِيلٍ:
«مَنْ طَلَبَ الْقُرْبَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ يُؤْذِي خَلْقَهُ، فَقَدْ سَعَى إِلَى الْمَقْصِدِ بِمَا يُنَاقِضُهُ»،
وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ أَذًى صَرِيحٌ، بَلْ هِيَ أَشَدُّ الأَذَى؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ فِي مَوْضِعِ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ وَالْعَهْدِ الْمُغَلَّظِ."
**وَأَمَّا الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَدْ رَبَطَ بَيْنَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَحِرْمَانِ بَرَكَةِ الْعِبَادَةِ، فَقَالَ فِي الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ مَعْنًى:
«وَمِنْ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ أَنَّهَا تُضْعِفُ الْقَلْبَ عَنِ السَّيْرِ إِلَى اللَّهِ، وَتَحْرِمُ الْعَبْدَ لَذَّةَ الطَّاعَةِ وَنُورَهَا»،
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَثْقَلِ الذُّنُوبِ عَلَى الْقَلْبِ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ظُلْمَتِهِ وَقَسْوَتِهِ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا:
«إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُقِيمُ بِنَاءً مَعَ أَسَاسٍ فَاسِدٍ»،
فَكَيْفَ يُرْجَى قَبُولُ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ، وَأَسَاسُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ مَهْدُومٌ، وَأَوَّلُهُمْ الأَرْحَامُ؟
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَعُدُّونَ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ صِدْقِ التَّدَيُّنِ، لِأَنَّهَا طَاعَةٌ ثَقِيلَةٌ عَلَى النَّفْسِ،
تَحْتَاجُ صَبْرًا وَحِلْمًا وَتَجَاوُزًا، وَلَيْسَتْ طَاعَةً شَكْلِيَّةً يُرَاءَى بِهَا.
فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِصِلَةِ رَحِمِهِ مَعَ الأَذَى، فَقَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرْبِ، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى قَطِيعَتِهِمْ، فَلْيَخَفْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تُرَدُّ أَعْمَالُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
************
تَعْرِيفُ الصِّيَامِ عِنْدَ العُلَمَاءِ
عَالِمُ الشَّرِيعَةِ يقول:
الصِّيَامُ هُوَ الإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَسَائِرِ المُفْطِرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مَعَ النِّيَّة.
عَالِمُ الطَّرِيقَةِ يقول:
الصِّيَامُ ضَبْطُ اللِّسَانِ، وَالجَوَارِحِ، وَالقَلْبِ، وَالإِقْبَالُ عَلَى اللهِ بِالقُرْآنِ وَالقِيَامِ.
قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (متفق عليه)
أيُّها الإِخْوَةُ،
رَمَضَانُ: شَهْرُ عِبَادَةٍ، شَهْرُ قُرْبٍ، شَهْرُ مَغْفِرَةٍ، شَهْرُ تَرْبِيَةٍ، شَهْرُ إِصْلَاحٍ.
-الفَرَائِضُ قَبْلَ النَّوَافِل، أَحَبُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ العَبْدُ إِلَى اللهِ هُوَ أَدَاءُ مَا افْتَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ.
فَلَا تُقْبَلُ نَافِلَةٌ مَعَ تَضْيِيعِ فَرِيضَةٍ.
-الدَّوَامُ وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي العِبَادَة
فَضْلُ الصِّيَامِ وَعُلُوُّ مَقَامِهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:
«كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ…
وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»(متفق عليه).
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ .البخاري.
************
الدعاء
اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ بُلُوغَ رَحْمَةٍ وَغُفْرَانٍ، لَا بُلُوغَ غَفْلَةٍ وَخُسْرَانٍ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الصَّائِمِينَ الصَّادِقِينَ، وَالْقَائِمِينَ الْخَاشِعِينَ، وَالذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ، وَحِفْظِ اللِّسَانِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الْعُجْبِ، وَنِيَّاتِنَا مِمَّا لَا يُرْضِيكَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَهْرَ فَتْحٍ لَنَا فِي الطَّاعَاتِ، وَسَتْرٍ لَنَا عَنِ الزَّلَّاتِ، وَعِتْقٍ لَنَا مِنَ النَّارِ، وَفَوْزٍ بِالْجَنَّاتِ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا مُقَصِّرًا فَارْفَعْهُ، وَمَنْ كَانَ مُذْنِبًا فَاغْفِرْ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَحْرُومًا فَلَا تَحْرِمْهُ، وَمَنْ كَانَ مَرْدُودًا فَلَا تَرُدَّهُ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ أَعْمَارِنَا خَيْرَهَا، وَآخِرَ أَعْمَالِنَا صَالِحَهَا، وَآخِرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا فِيهِ صِيَامَ الْعَارِفِينَ، وَقِيَامَنَا قِيَامَ الْخَاشِعِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَارْزُقْنَا فِيهِ لَذَّةَ الْمُنَاجَاةِ، وَحَلَاوَةَ الْقُرْبِ، وَصِدْقَ التَّوَجُّهِ إِلَيْكَ.