سُنَّةُ التَّغْيِيرِ وَبَشَائِرُ التَّيْسِيرِ: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"-2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَافِعِ السَّمَاءِ بِلَا عَمَدٍ، لَهُ الدَّوَامُ وَالْبَقَاءُ، وَبِيَدِهِ الْعَطَاءُ وَالْمَنْعُ، وَالشِّفَاءُ وَالْبَلَاءُ.
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَيُصَرِّفُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ بَيْنَ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْوُرُودِ وَالصُّدُورِ.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَأَشْكُرُهُ عَلَى آلَائِهِ الَّتِي لَا تَقْصَى، وَأَسْتَعِينُهُ اسْتِعَانَةَ مَنْ أَبْرَأَ إِلَيْهِ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي مَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَإِمَامَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَقُدْوَةً لِلْعَامِلِينَ، وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ.
كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ الْبِشْرِ، مُتَفَائِلًا فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ، يَكْرَهُ التَّشَاؤُمَ وَيُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ، يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِنَفْسٍ مُنْشَرِحَةٍ وَقَلْبٍ مَوْصُولٍ بِالسَّمَاءِ.
فَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
—---------------------------
أيها الإخوة،
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَوَّلًا بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَهِيَ زَادُ الْمُسَافِرِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَبَابُ الْفَرَجِ الْمَضْمُونِ حِينَمَا تَنْغَلِقُ أَبْوَابُ الْأَرْضِ. يَقُولُ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّلهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
أيها الإخوة،
إِنَّنَا نَعِيشُ الْيَوْمَ فِي عَصْرٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ لِلْإِنْسَانِ مَلْجَأٌ يَنْفَرِدُ فِيهِ بِسَكِينَتِهِ، أَوْ يَخْلُو فِيهِ بِفِكْرِهِ.
لَقَدْ تَبَدَّلَتْ طَبِيعَةُ الْحَيَاةِ، وَصَارَتْ أَحْدَاثُ الْعَالَمِ النَّائِيَةِ تَقْتَحِمُ عَلَيْنَا غُرَفَ نَوْمِنَا، وَتَجْلِسُ مَعَنَا عَلَى مَوَائِدِ طَعَامِنَا.
لَمْ تَعُدِ الشَّدَائِدُ وَالْمَصَائِبُ بَعِيدَةً عَنَّا، بَلْ صَارَتْ تُلَازِمُنَا صَبَاحَ مَسَاءَ، عَبْرَ هَذِهِ الشَّاشَاتِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي جُيُوبِنَا، وَنُطَالِعُهَا بِأَعْيُنِنَا كُلَّ دَقِيقَةٍ وَثَانِيَةٍ.
لَقَدْ حَاصَرَتْنَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الْعَصْرِيَّةِ بِسَيْلٍ لَا يَنْقَطِعُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَبَثَّتْ فِي بِيُوتِنَا وَعُقُولِنَا زَيْفَهَا وَانْحِيَازَهَا، وَبَرُوبَاغَانْدَا مَوْجُهَةً تَصْنَعُ الْخَوْفَ صَنَاعَةً، وَتَبُثُّ الْيَأْسَ فِي النُّفُوسِ تَعَمُّدًا.
إِنَّ تِلْكَ الْمِنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةَ لَا تَنْقُلُ الْحَقِيقَةَ كَمَا هِيَ، بَلْ تَنْقُلُ مَا يُثِيرُ الْفَزَعَ، وَمَا يَجْلِبُ التَّوَتُّرَ، مَشْحُونَةً بِالْهَوَى النَّفْسِيِّ وَالتَّزْوِيرِ السِّيَاسِيِّ.
حَتَّى أَصْبَحَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَسْتَيْقِظُ عَلَى مَأْسَاةٍ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ، وَيَنَامُ عَلَى فِلْمٍ مُفْزِعٍ مِنْ غَرْبِهَا، فَصَارَ يَعِيشُ فِي هَمٍّ مُتَّصِلٍ، وَقَلَقٍ دَائِمٍ، يَطْحَنُ عَقْلَهُ بِتَحْلِيلَاتٍ لَا تَنْتَهِي، وَيُعَالِجُ جِرَاحَ الْكَوْنِ كُلِّهِ فِي صَدْرِهِ النَّحِيلِ.
مَوْقِفُ أَبِي حَازِمٍ الْأَعْرَجِ: وَفِي رَقَائِقِ الزَّهَادَةِ الْعَمِيقَةِ، جَاءَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى التَّابِعِيِّ
الْجَلِيلِ أَبِي حَازِمٍ الْأَعْرَجِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالُوا لَهُ بِلَهْجَةٍ فِيهَا الْخَوْفُ وَالِاضْطِرَابُ:
"يَا أَبَا حَازِمٍ، أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ إِنَّ الْأَسْعَارَ قَدْ غَلَتْ، وَالْأُمُورَ قَدْ ضَاقَتْ، وَالْأَخْبَارَ الْقَادِمَةَ مُفْزِعَةٌ لَا نَدْرِي كَيْفَ نَعِيشُ غَدًا!".
نَظَرَ إِلَيْهِمْ بِيَقِينٍ لَمْ تُكَدِّرْهُ ظُنُّونُ الْبَشَرِ، وَقَالَ:
"وَمَا يُخِيفُنَا مِنْ ذَلِكَ؟ إِنَّ الَّذِي يَرْزُقُنَا فِي الرَّخَاءِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَرْزُقُنَا فِي الشِّدَّةِ.
إِنْ كُنَّا عَبِيدًا لَهُ حَقًّا، فَإِنَّ خَزَائِنَهُ لَا تَغِيضُ.
ارْضَوْا عَنِ اللَّهِ فِي أَحْكَامِهِ، وَأَصْلِحُوا مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ لَا تُبَالُوا أَقَامَتِ الدُّنْيَا أَمْ قَعَدَتْ".
إِنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الصَّافِيَةَ لَمْ تَكُنْ تَعِيشُ مَعْزُولَةً عَنِ الْوَاقِعِ، بَلْ كَانَتْ تَمْلِكُ مِصْفَاةَ الْإِيمَانِ،
تِلْكَ الْمِصْفَاةَ الَّتِي تَمْنَعُ كَدَرَ الْحَيَاةِ، وَزَيْفَ الشَّائِعَاتِ، وَقَلَقَ الْأَسْوَاقِ مِنْ أَنْ يَتَسَلَّلَ إِلَى بَاطِنِ الْقَلْبِ فَيُفْسِدَ نَقَاءَهُ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَلْنُخَفِّفْ عَنْ أَنْفُسِنَا!
أَلَا رِفْقًا بِهَذِهِ الْقُلُوبِ الَّتِي أَتْعَبَتْهَا مَشَاهِدُ الدِّمَاءِ، وَأَرْهَقَتْهَا أَخْبَارُ الْفِتَنِ.
إِنَّ هَذَا الِاسْتِسْلَامَ النَّفْسِيَّ لِضَخِّ الشَّاشَاتِ، وَالْإِدْمَانَ عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَاتِفِ، لَنْ يُصْلِحَ الْعَالَمَ شَيْئًا، وَلَنْ يُغَيِّرَ مِنَ الْأَقْدَارِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. بَلِ النَّتِيجَةُ الْحَتْمِيَّةُ هِيَ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ رَأْيَ الْعَيْنِ:
أَمْرَاضٌ عُصْبِيَّةٌ مُتَفَشِّيَةٌ.
جَلْطَاتٌ مُفَاجِئَةٌ تَخْتَطِفُ الشَّبَابَ.
هَمٌّ رَاتِبٌ جَاثِمٌ عَلَى الصُّدُورِ، وَحُزْنٌ دَائِمٌ يُورِثُ الْخُمُولَ، وَيَهْدِمُ الْبَدَنَ، وَيُعَطِّلُ الْمَرْءَ عَنْ وَاجِبَاتِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
إِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ لَيْسَ أَنْ تَحْمِلَ مِيزَانَ الْكَوْنِ، وَلَا أَنْ تَتَتَبَّعَ رُكَامَ الْأَخْبَارِ، بَلِ الْمَطْلُوبُ أَنْ تَسِيرَ عَلَى الطَّرِيقِ بِمَا أَقَامَكَ اللَّهُ فِيهِ؛ أَنْ تَقُومَ بِوَاجِبِكَ نَحْوَ نَفْسِكَ، وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَعَمَلِكَ، مُبْتَغِيًا رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إِذَا أَصْلَحْتَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَلَا يَضُرُّكَ أَنْ يَمُوجَ الْعَالَمُ مِنْ حَوْلِكَ، وَلَا أَنْ تَنْحَازَ الْمِنَصَّاتُ، وَلَا أَنْ تَكْذِبَ الصُّحُفُ ( و أنت لا تستطيع شيئا..).
خَفِّفُوا عَنْ عُقُولِكُمْ هَذَا الضَّجِيجَ الْمَصْنُوعَ لِتَعِيشُوا بِسَلَامٍ،
وَاجْعَلُوا هَمَّكُمْ هَمًّا وَاحِدًا، هُوَ: هَلْ أَنَا عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ مُسْتَقِيمٌ؟ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
تَقَلُّبُ الدُّوَلِ فِي التَّارِيخِ الْمُعَاصِرِ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَفَاضِلُ:
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران
- مَنْ صَدَّقَ هَذِهِ الدُّنْيَا فِي ثَبَاتِهَا فَقَدْ خَدَعَ نَفْسَهُ.
إِنَّ أَعْظَمَ دَرْسٍ يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ التَّارِيخُ هُوَ أَنْ "دَوَامَ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ"،
وَأَنَّ الْقُوَى الَّتِي تَظُنُّ أَنَّهَا مَلَكَتْ أَزِمَّةَ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ قَرَارَهَا هُوَ النَّافِذُ دُونَ مُعَقِّبٍ، قَدْ تَتَهَاوَى بَغْتَةً فِي سَنَوَاتٍ مَعْدُودَاتٍ؛
لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَأَنَّ السَّعِيدَ مَنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى جَاهٍ زَائِلٍ أَوْ قُوَّةٍ بَاشِرَةٍ.
الِاتِّحَادُ السُّوفْيَاتِيُّ: تَأَمَّلُوا مَا حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْمَاضِي؛ كَانَ هُنَاكَ كِيَانٌ عِمْلَاقٌ يُسَمَّى الِاتِّحَادَ السُّوفْيَاتِيَّ، كَانَ قُوَّةً عُظْمَى تُرْعِبُ الْبَشَرِيَّةَ، يَمْلِكُ جُيُوشًا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهَا، وَآلَافَ الرُّؤُوسِ النَّوَوِيَّةِ، وَنُفُوذًا مُمْتَدًّا عَبْرَ الْقَارَّاتِ.
كَانَ جَهَابِذَةُ السِّيَاسَةِ وَمُرَاقِبُو الْأَخْبَارِ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الْكِيَانَ خَالِدٌ تَلِيدٌ، وَأَنَّ صِرَاعَهُ مَعَ الْغَرْبِ سَيَدُومُ قُرُونًا. وَلَكِنْ، هَلْ دَامَ الْحَالُ؟
فِي غَمْضَةِ عَيْنٍ، وَبِأَسْبَابٍ تَسَلَّلَتْ فِي خَفَاءٍ،
تَفَكَّكَ هَذَا الْعِمْلَاقُ وَتَلَاشَى مِنْ خَارِطَةِ الْعَالَمِ دُونَ أَنْ تُطْلَقَ رَصَاصَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حَرْبٍ عَالَمِيَّةٍ!
وَأَصْبَحَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا طَلَلًا وَقِصَّةً تُسْرَدُ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ لِلِاعْتِبَارِ.
وِنْسْتُونْ تْشَرْشِلْ: وَلَيْسَ بَعِيدًا عَنْ ذَلِكَ، انْظُرُوا إِلَى سِيرَةِ رَئِيسِ وِزَرَاءِ بِرِيطَانِيَا الشَّهِيرِ "وِنْسْتُونْ تْشَرْشِلْ"؛ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا ضَجِيجًا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ. قَادَ إِمْبِرَاطُورِيَّةً كَانَتْ لَا تَغِيبُ عَنْهَا الشَّمْسُ، وَحَقَّقَ الِانْتِصَارَ فِي الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، وَرُفِعَتْ صُوَرُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَبَطَلٍ قَوْمِيٍّ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، وَظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّهُ سَيَخْلُدُ عَلَى عَرْشِ السِّيَاسَةِ زَمَانًا طَوِيلًا.
لَكِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ لَا تُحَابِي أَحَدًا؛ فَمَا إِنْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، حَتَّى نَفَضَ الشَّعْبُ الْبِرِيطَانِيُّ يَدَهُ مِنْهُ، وَأَسْقَطَهُ فِي الِانْتِخَابَاتِ سُقُوطًا مُدَوِّيًا!
خَرَجَ مِنْ مَكْتَبِهِ ذَلِيلًا مَعْزُولًا، وَالْتَفَتَ إِلَى زَوْجَتِهِ بِمَرَارَةٍ لِيَقُولَ لَهَا:
"لَقَدْ أَخَذُوا مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا لِمَا فَعَلْتُ!".
هَذِهِ هِيَ السِّيَاسَةُ، وَهَذِهِ هِيَ الدُّنْيَا لَا وَفَاءَ لَهَا.
إِنَّ هَذِهِ النُّظُمَ الْعَالَمِيَّةَ، وَالتَّحَالُفَاتِ الطَّاغِيَةَ الَّتِي تَرَوْنَهَا الْيَوْمَ جَاثِمَةً عَلَى صُدُورِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَتَظُنُّونَ أَنَّهَا قَدَرٌ مَحْتُومٌ لَا يَتَغَيَّرُ، تَبْدُو فِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، لَكِنَّهَا فِي مِعْيَارِ السُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ وَسَيْرِ التَّارِيخِ لَيْسَتْ إِلَّا كَالْقَشِّ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
التَّغْيِيرُ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ، يُفَاجِئُ السَّاهِيَ وَالْمُسْتَيْقِظَ، وَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ.
مُفَاجَآتُ الْقَدَرِ السَّارَّةِ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ تَقَلُّبَاتِ التَّارِيخِ لَا تَأْتِي دَائِمًا بِالْخَرَابِ، بَلْ إِنَّ مَكْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ وَلِدِينِهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ. قَدْ يَرَى النَّاسُ بِأَعْيُنِهِمُ الْقَاصِرَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدِ انْتَهَى، وَأَنَّ الظُّلْمَةَ قَدْ أَطْبَقَتْ، فَيَأْتِي التَّغْيِيرُ الصَّالِحُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ الْبَشَرُ أَبَدًا، وَتَنْعَكِسُ الْآيَةُ فِي لَحْظَةٍ لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَالِ الْمُحَلِّلِينَ وَلَا بَثَّتْهَا وَسَائِلُ الْإِعْلَامِ.
اذْكُرُوا حَادِثَةً عَرِيقَةً تَهْتَزُّ لَهَا الْقُلُوبُ فَهْمًا؛ حِينَمَا أُصِيبَ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ بِنَكْبَةِ "التَّتَارِ" الِاجْتِيَاحِيَّةِ. دَخَلُوا بَغْدَادَ فَأَبَادُوا الْبَشَرَ، وَحَرَقُوا الْمَكْتَبَاتِ، وَجَعَلُوا مَاءَ الدِّجْلَةِ أَسْوَدَ مِنَ الْمِدَادِ وَأَحْمَرَ مِنَ الدِّمَاءِ. صَارَ الْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقُولُ:
"إِنْ قِيلَ لَكَ إِنَّ التَّتَارَ هُزِمُوا فَلَا تُصَدِّقْ".
ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّ جِذْوَةَ الْإِسْلَامِ قَدْ انْطَفَأَتْ إِلَى الْأَبَدِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَاتَتْ بِلَا رَجْعَةٍ.
وَلَكِنْ كَيْفَ جَاءَتِ الْمُفَاجَأَةُ الرَّبَّانِيَّةُ؟
لَمْ يَمْضِ عَقْدَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الزَّمَانِ عَلَى تِلْكَ الْمَذَابِحِ، حَتَّى حَدَثَ مَا لَمْ يَحْسِبْ لَهُ أَحَدٌ حِسَابًا: لَقَدْ أُعْجِبَ الْمُنْتَصِرُونَ بِدِينِ الْمُنْهَزِمِينَ!
دَخَلَ سَلَاطِينُ التَّتَارِ وَجُيُوشُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَفْوَاجًا بِأَنْفُسِهِمْ دُونَ إِكْرَاهٍ، وَتَحَوَّلُوا مِنْ هَادِمِينَ لِلْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ إِلَى جُنُودٍ لَهَا، وَأَنْشَؤُوا دُوَلًا إِسْلَامِيَّةً عَرِيقَةً رَفَعَتْ رَايَةَ التَّوْحِيدِ فِي الْهِنْدِ وَآسْيَا الْوُسْطَى لِقُرُونٍ خَلَتْ.
سُبْحَانَ مَنْ يُخْرِجُ مِنَ الرَّحِمِ الْمُظْلِمِ نُورًا مَاضِيًا! فَلَا تَيْأَسْ أَيُّهَا الْعَبْدُ، وَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا تَرَى؛ فَالْقُيُودُ الَّتِي تَرَاهَا مُحْكَمَةً الْيَوْمَ صَنَعَتْهَا يَدُ الْبَشَرِ، وَيَدُ الْبَشَرِ قَاصِرَةٌ يَعْتَرِيهَا الْعَجْزُ وَالنِّسْيَانُ، أَمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ فَنَافِذَةٌ، يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
—---------------------------------------------الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَالِقُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُصْطَفَى الْمُجْتَبَى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ وَالنُّفُوسِ التَّقِيَّةِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ النُّبَلَاءُ:-رقائق القلوب ونور اليقين .
قِصَّةُ الْعَارِفِ فِي السُّوقِ: يُحْكَى عَنْ أَحَدِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ فِي سُوقٍ كَثِيرِ الصَّخَبِ وَالزِّيحَامِ، فَرَأَى رَجُلًا تَبْدُو عَلَيْهِ مَهَابَةُ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، لَكِنَّ نَظَرَاتِهِ كَانَتْ حَائِرَةً، وَوَجْهَهُ كَئِيبٌ، مُهْتَمٌّ بِمَا يَمُوجُ بِهِ النَّاسُ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَخَوُّفِ الْغَدِ.
دَنَا مِنْهُ هَذَا الْعَارِفُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِهِ بِرِفْقٍ وَحَنَانٍ، وَقَالَ لَهُ:
-"يَا هَذَا، أَرَأَيْتَ هَذَا الْكَوْنَ الْفَسِيحَ بِمَا فِيهِ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْخَلَائِقِ، أَلَهُ رَبٌّ يُدَبِّرُهُ بِحِكْمَتِهِ؟" قَالَ الرَّجُلُ: "بَلَى".
-قَالَ: "فَهَلْ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ؟" قَالَ: "لَا".
-قَالَ: "فَهَلْ يَنْقُصُ مِنْ خَزَائِنِهِ الْمَلْأَى شَيْءٌ إِذَا أَعْطَى النَّاسَ كُلَّهُمْ سُؤْلَهُمْ؟" قَالَ: "لَا سُبْحَانَهُ".
فَابْتَسَمَ الصَّالِحُ وَقَالَ لَهُ بِصَوْتٍ فِيهِ نُورُ الْيَقِينِ: "فَعَلَامَ الْحُزْنُ إِذَنْ؟ وَلِمَاذَا تُعْجِزُ نَفْسَكَ،
وَتَقْتُلُ قَلْبَكَ هَمًّا فِيمَا تَكَفَّلَ بِهِ غَيْرُكَ، وَفِيمَا هُوَ بِيَدِ رَبٍّ رَحِيمٍ كَرِيمٍ؟".
فَكَأَنَّمَا كَانَ الرَّجُلُ مَرْبُوطًا بِأَغْلَالٍ فَانْطَلَقَ، وَانْقَشَعَتْ عَنْ عَقْلِهِ غَمَامَةُ الْهَمِّ الْمَصْنُوعِ.
—---------------------------------------الخاتمة والدعاء.
عِبَادَ اللَّهِ:
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْ قُلُوبِنَا الْهَمَّ وَالْقَلَقَ، وَأَعِذْنَا مِنْ كَدَرِ وَزَيْفِ الْأَخْبَارِ وَانْحِيَازِهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مُطْمَئِنَّةً بِذِكْرِكَ، رَاضِيَةً بِقَضَائِكَ، مُسْتَبْشِرَةً بِفَضْلِكَ وَإِحْسَانِكَ.
اللَّهُمَّ اشْفِ صُدُورَنَا مِنَ الْحُزْنِ الدَّائِمِ وَالْوَهَنِ، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمِّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ عَافِيَةً.
اللَّهُمَّ أَبْدِلْ خَوْفَ أُمَّتِنَا أَمْنًا، وَعُسْرَهَا يُسْرًا، وَاجْعَلْ قَادِمَ أَيَّامِنَا خَيْرًا مِنْ مَاضِيهَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بِحِفْظِكَ الْجَمِيلِ، وَتَوَلَّنَا بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلِّ شَيْءٍ.
عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
أَقِمِ الصَّلَاةَ.