lundi 19 octobre 2026

الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ وَالسَّرَابُ البَرَّاقُ: مَآلَاتُ الِانْحِطَاطِ البَشَرِيِّ بَعِيدًا عَنِ الوَحْيِ-10/2026

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَالِقِ الإِصْبَاحِ، وَجَاعِلِ اللَّيْلِ سَكَنًا، وَالشَّمْسِ وَالقَمَرَ حُسْبَانًا، ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَنْزَلَ لَهُ مِنْ كِتَابِهِ أَصَحَّ مَنْهَجٍ وَقَوِيمٍ، وَحَذَّرَهُ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَقَامَ الحُجَّةَ، وَأَوْضَحَ المَحُجَّةَ، وَهَدَى إِلَى الرَّشَادِ. وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ وَالنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَتَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ الخَاطِئَةَ أَوَّلًا بِتَقْوَى اللَّهِ العَظِيمِ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ، وَالحَذَرِ كُلِّ الحَذَرِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنْ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَأَنْ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى.

—-------------------------------

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:

إِنَّ الحَرْبَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الإِنْسَانِ وَالشَّيْطَانِ، حَرْبٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، بَدَأَتْ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، مَشْهَدٌ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ، يَكْشِفُ فِيهِ عَدُوُّنَا الأَوَّلُ، إِبْلِيسُ اللَّعِينُ، عَنْ خُطَّتِهِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ الكُبْرَى لِإِهْلَاكِ البَشَرِيَّةِ. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى لِسَانِ إِبْلِيسَ وَهُوَ يُعْلِنُ التَّحَدِّيَ:

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} الأعراف.

تَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}. الشَّيْطَانُ لَا يَقْعُدُ فِي حَانَاتِ الخَمْرِ، وَلَا فِي بُيُوتِ الفُجُورِ فَحَسْبُ، 

بَلْ هُوَ قَاعِدٌ بِالمِرْصَادِ عَلَى أَوَّلِ خَطْوَةٍ فِي صِرَاطِ اللَّهِ؛ لِيَحْرِفَ السَّائِرِينَ، وَيُزِيحَ المُوَحِّدِينَ. وَأَقْسَمَ قَسَمًا غَلِيظًا فَقَالَ: "لَأُضِلَّنَّهُمْ". وَفِي آيَةٍ أُخْرَى يَكْشِفُ القُرْآنُ وَسَائِلَ هَذَا الإِضْلَالِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} النساء.

هَذِهِ هِيَ الوُعُودُ الإِبْلِيسِيَّةُ: إِضْلَالٌ، وَأَمَانِيُّ بَاطِلَةٌ، وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ وَفِطْرَتِهِ. وَالشَّيْطَانُ حِينَ يُزَحْزِحُ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، لَا يَجُرُّهُمْ إِلَى القُبْحِ عَارِيًا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الفِطْرَةَ الإِنْسَانِيَّةَ تَنْفِرُ مِنَ القُبْحِ، وَلَكِنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ بَابِ المُنِيَّاتِ وَالأَوْهَامِ البَرَّاقَةِ، فَيُسَمِّي الضَّلَالَ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَيُغَلِّفُ الِانْحِرَافَ بِأَسْمَاءٍ تَخْلِبُ العُقُولَ.

[بَدَائِلُ الشَّيْطَانِ: الأَصْنَامُ الفِكْرِيَّةُ المُعَاصِرَةُ]

أَيُّهَا الإِخْوَةُ:

إِنَّ الصِّرَاطَ البَدِيلَ الَّذِي قَعَدَ الشَّيْطَانُ يُمَنِّي البَشَرِيَّةَ بِهِ فِي هَذَا العَصْرِ، صِيغَ فِي قَوَالِبَ وَشِعَارَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ جَذَّابَةٍ: الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ المُطْلَقَةُ، الحُرِّيَّةُ الفَرْدِيَّةُ المُتَفَلِّتَةُ، وَالعَقْلَانِيَّةُ المَادِّيَّةُ المُجَرَّدَةُ.

لَقَدْ قَالَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ المُعَاصِرِ: "إِنَّكَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى وَحْيِ السَّمَاءِ لِيُدِيرَ حَيَاتَكَ، عَقْلُكَ هُوَ إِلَهُكَ، وَحُرِّيَّتُكَ هِيَ مِحْرَابُكَ، وَصُنْدُوقُ الِاقْتِرَاعِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَلِّلَ الحَرَامَ وَيُحَرِّمَ الحَلَالَ". 

فَتَأَلَّهَ الإِنْسَانُ( ماسك، أغنى  مخلوق العصر)، وَظَنَّ أَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ، 

وَلِسَانُ حَالِ الحَضَارَةِ المَادِّيَّةِ المُعَاصِرَةِ يَقُولُ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}. وَنَسِيَ الإِنْسَانُ المِسْكِينُ أَنَّهُ بِدُونِ نُورِ الوَحْيِ كَائِنٌ أَعْمَى يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلُمَاتِ (كحاطب الليل)، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} الأنعام.

المَظَاهِرُ العَمَلِيَّةُ لِلِانْحِطَاطِ الإِنْسَانِيِّ]

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:

عندما نَزِنُ هَذِهِ الحَضَارَةَ المَادِّيَّةَ بِمِيزَانِ الوَاقِعِ، وَنَنْظُرْ أَيْن وَصَلَتِ البَشَرِيَّةُ عِنْدَمَا تَرَكَتِ الدِّينَ وَرَاءَ ظَهْرِهَا نِسْيًا مَنْسِيًّا، نراها تَعِيشُ حَالَةً مِنَ الِانْحِطَاطِ الأَخْلَاقِيِّ وَالإِنْسَانِيِّ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ، رَغْمَ صُعُودِهَا التَّقْنِيِّ. وَنَرَى ذَلِكَ جَلِيًّا فِي مَظَاهِرَ شَتَّى:

أَوَّلًا: التَّوَحُّشُ وَالجَرَائِمُ الأُمَمِيَّةُ وَنَهْبُ الثَّرَوَاتِ:
لَقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الدُّوَلُ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّقَدُّمِ العِلْمِيِّ؛ صَنَعُوا الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ، وَغَزَوُا الفَضَاءَ، وَفَجَّرُوا الذَّرَّةَ. وَلَكِنْ لِأَنَّ هَذَا العِلْمَ مَعْزُولٌ عَنْ تَقْوَى اللَّهِ وَعَنْ وَحْيِ السَّمَاءِ، تَحَوَّلَ إِلَى وَسِيلَةِ دَمَارٍ شَامِلٍ. 

نَرَى اليَوْمَ دُوَلًا تَدَّعِي الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ وَحُقُوقَ الإِنْسَانِ، تَقُودُ سِبَاقَ تَسَلُّحٍ مُرْعِبًا، وَتَمْتَلِكُ مِنَ القَنَابِلِ النَّوَوِيَّةِ مَا يُمْكِنُهُ مَحْوُ أُمَمٍ بِأَكْمَلِهَا مِنَ الخَارِطَةِ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ. 

إِنَّهُمْ يُحَرِّكُونَ أَسَاطِيلَهُمْ وَجُيُوشَهُمْ، وَيُثِيرُونَ الفِتَنَ وَالحُرُوبَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ: لِافْتِكَاكِ خَيْرَاتِ الشُّعُوبِ المُسْتَضْعَفَةِ، وَسِرْقَةِ نَفْطِهَا وَغَازِهَا وَثَرَوَاتِهَا، تَمَامًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ البَشَرِ: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]. إِنَّهَا حَضَارَةُ الإِبَادَةِ المُغَلَّفَةُ بِشِعَارَاتِ السَّلَامِ!

ثَانِيًا: الحَرْبُ عَلَى الفِطْرَةِ وَاسْتِهْدَافُ الطُّفُولَةِ:
عَبْرَ التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، كَانَ العُصَاةُ يَقَعُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمَعَاصِي، لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ. أَمَّا اليَوْمَ، فَالحَضَارَةُ المَادِّيَّةُ تُقَنِّنُ الجَرِيمَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ وَتَفْرِضُهَا فَرْضًا. 

وَوَصَلَ الِانْحِطَاطُ الإِنْسَانِيِّ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي الحَرْبِ الشَّرِسَةِ المُمَنْهَجَةِ عَلَى الطُّفُولَةِ؛ فَصِرْنَا نَرَى قَادَةَ دُوَلٍ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تَعْلِيمِيَّةً، وَمُنَظَّمَاتٍ صِحِّيَّةً دَوْلِيَّةً، يَجْرُونَ وَرَاءَ الأَطْفَالِ الأَبْرِيَاءِ فِي المَدَارِسِ وَرِيَاضِ الأَطْفَالِ، لِيَزْرَعُوا فِي عُقُولِهِمُ الغَضَّةِ إِمْكَانِيَّةَ "تَغْيِيرِ جِنْسِهِمْ"! 

يُعْطُونَ الأَطْفَالَ العَقَاقِيرَ الطِّبِّيَّةَ وَمُثَبِّطَاتِ الهِرْمُونَاتِ، وَيُجْرُونَ لَهُمُ العَمَلِيَّاتِ الجِرَاحِيَّةَ لِمَسْخِ هُوِيَّتِهِمُ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَكُلُّ هَذَا تَحْتَ لَافِتَةِ "الحُرِّيَّةِ الجِنْدِرِيَّةِ" وَحُقُوقِ "المِثْلِيَّةِ"!

أَلَيْسَ هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ حِينَ قَالَ: {وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}؟ إِنَّهُ الِانْتِكَاسُ الفِطْرِيُّ الكَامِلُ، حَيْثُ تَتَنَكَّرُ الطَّائِفَةُ البَشَرِيَّةُ الحَاكِمَةُ اليَوْمَ لِأَبْسَطِ بَدِيهِيَّاتِ البِيُولُوجْيَا وَالفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.

ثَالِثًا: انْهِيَارُ مَنْظُومَةِ الأُسْرَةِ وَتَحْوِيلُ الإِنْسَانِ إِلَى مَادَّةٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ:
حِينَ غَابَ الدِّينُ، هُدِمَتِ الأُسْرَةُ؛ فَالمَرْأَةُ فِي هَذِهِ المَنْظُومَةِ المَادِّيَّةِ تُسْتَغَلُّ فِي أَسْوَاقِ الإِعْلَانَاتِ وَالمُتَعِ. 

وَالآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ يُتْرَكُونَ فِي مَلَاجِئِ العَجَزَةِ وَالمُسِنِّينَ عِنْدَ الكِبَرِ بِلَا أَنِيسٍ وَلَا رَحْمَةٍ. 

زَادَتْ نِسَبُ الِانْتِحَارِ، وَتَفَشَّتِ الأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ وَالِاكْتِئَابُ رَغْمَ وَفْرَةِ المَالِ وَالرَّفَاهِيَةِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 124]. ضَنْكُ النَّفْسِ، وَضَنْكُ الرُّوحِ، وَضَنْكُ الأَخْلَاقِ.

- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ المَشْهَدَ القَاتِمَ لِلْحَضَارَةِ المَادِّيَّةِ المُنْفَصِلَةِ عَنِ اللَّهِ يُرَسِّخُ فِي قُلُوبِنَا يَقِينًا إِيمَانِيًّا وَاحِدًا: أَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْبَشَرِيَّةِ، وَلَا سَعَادَةَ، وَلَا اسْتِقْرَارَ، وَلَا أَمْنَ بِلَا دِينٍ.

إِنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ وَحْدَهُ قَاصِرٌ. العَقْلُ بِلَا وَحْيٍ كَالعَيْنِ فِي الظَّلَامِ الدَّامِسِ؛ العَيْنُ عُضْوٌ سَلِيمٌ وَمُبْصِرٌ، وَلَكِنَّهَا إِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا أَشِعَّةُ النُّورِ لَا تَرَى شَيْئًا وَتَتَخَبَّطُ فِي الجُدْرَانِ. وَالوَحْيُ هُوَ نُورُ العَقْلِ، فَإِذَا عُزِلَ الوَحْيُ، تَفَرْعَنَتِ العُقُولُ وَأَنْتَجَتْ دَمَارًا وَمَسْخًا.

إِنَّ القِيَمَ الَّتِي يَتَغَنَّى بِهَا الغَرْبُ اليَوْمَ مِنْ حُرِّيَّةٍ وَعَقْلَانِيَّةٍ وَدِيمُقْرَاطِيَّةٍ، مَا لَمْ تَكُنْ مُنْضَبِطَةً بِحُدُودِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامِ رَبِّ العَالَمِينَ، تَتَحَوَّلُ إِلَى فَوْضَى بَهِيمِيَّةٍ يَذُوبُ فِيهَا الإِنْسَانُ، وَيَنْحَدِرُ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَدْنَى مِنْ مَرْتَبَةِ الأَنْعَامِ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقَلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]. بَلْ إِنَّ الحَيَوَانَاتِ فِي الغَابَاتِ لَا يُغَيِّرُ ذَكَرُهَا جِنْسَهُ لِيَصِيرَ أُنْثَى، فَصَارَ هَؤُلَاءِ المُنْحَرِفُونَ أَضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الحَيَوَانِ!

[التَّوْصِيَاتُ وَالوَاجِبُ العَمَلِيُّ]

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا فِي هَذَا العَصْرِ المُتَلَاطِمِ بِأَمْوَاجِ الفِتَنِ وَالأَفْكَارِ المَسْمُومَةِ، يَتَلَخَّصُ فِي أُمُورٍ:

  1. الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ وَالوَعْيُ بِمَكَائِدِ الفِكْرِ المُعَاصِرِ: يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الهَجْمَةَ الفِكْرِيَّةَ الَّتِي تَسْتَهْدِفُ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لَيْسَتْ عَفْوِيَّةً، بَلْ هِيَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِوُعُودِ إِبْلِيسَ. فَلَا نَنْبَهِرْ بِشِعَارَاتِهِمُ البَرَّاقَةِ.

  2. حِمَايَةُ الأُسْرَةِ وَتَحْصِينُ النَّاشِئَةِ: اِلْتَفِتُوا إِلَى أَطْفَالِكُمْ، عَلِّمُوهُمُ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، اِغْرِسُوا فِيهِمُ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةِ، بَيِّنُوا لَهُمْ أَحْكَامَ الذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ كَمَا شَرَعَهَا اللَّهُ، وَحَصِّنُوهُمْ بِحَلَقَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَمَجَالِسِ العِلْمِ قَبْلَ أَنْ تَتَخَطَّفَهُمْ شَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالجِنِّ.

  3. الِاعْتِزَازُ بِالهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْعُرَ بِالدُّونِيَّةِ أَوْ الهَزِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ أَمَامَ التَّقَدُّمِ التِّكْنُولُوجِيِّ لِلْغَرْبِ. نَحْنُ نُقَدِّرُ العِلْمَ المَادِّيَّ وَنَأْخُذُ بِأَسْبَابِهِ، وَلَكِنَّنَا نَمْلِكُ مَا لَا يَمْلِكُونَ؛ نَمْلِكُ النُّورَ الَّذِي يُوَجِّهُ هَذَا العِلْمَ لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لَا لِتَدْمِيرِهَا.

[الدُّعَاءُ وَالخِتَامُ]

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنْ فِتَنِ هَذَا الزَّمَانِ، وَقِنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَاصْرِفْ عَنَّا كَيْدَ الشَّيْطَانِ المَلْعُونِ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.



jeudi 8 octobre 2026

نَصَائِحُ لِلْأُسْرَةِ: حِمَايَةُ الفِطْرَةِ فِي زَمَنِ التَّحَدِّيَاتِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَظَّمَ وَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ وَالفَضِيلَةِ وَالعَفَافِ، وَحَذَّرَ مِنْ مَزَالِقِ الرَّذِيلَةِ وَالإِسْفَافِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَمَا يَخْفَى. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الهُدَى وَحَذَّرَهَا مِنَ الغَوَايَةِ وَالانْحِرَافِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِلُ:
إِنَّ أَوْلَادَنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَفَلَذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَزِينَةُ حَيَاتِنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بِهِمْ يَحْلُو العُمْرُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وَيُضَاعَفُ الأَجْرُ، وَهُمْ "قُرَّةُ العَيْنِ" الَّتِي نَدْعُو بِهَا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وَقَدْ جَعَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الامْتِدَادَ الحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

خَطَرُ التَّفْرِيطِ فِي الأَمَانَةِ:
إِنَّ التَّخَلِّي عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّرْبِيَةِ هُوَ غِشٌّ لِلرَّعِيَّةِ وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ. قَالَ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَيَقُولُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (الصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ، فَإِنْ عُوِّدَ الخَيْرَ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ أَبَوَاهُ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ البَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الوِزْرُ فِي رَقَبَةِ القَيِّمِ عَلَيْهِ).

تَحَدِّيَاتُ العَائِلَةِ فِي عَصْرِنَا الحَالِي (خَوَاطِرُ وَوَقَفَاتٌ):

أَيُّهَا الآبَاءُ، إِذَا كَانَتْ تَرْبِيَةُ الأَبْنَاءِ فِي العُصُورِ السَّابِقَةِ تَتَطَلَّبُ جُهْدًا، فَهِيَ اليَوْمَ تَتَطَلَّبُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛ لِكَثْرَةِ المُعَوِّقَاتِ وَالصَّوَارِفِ وَانْفِتَاحِ العَالَمِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ. وَمِنْ خِلَالِ مُتَابَعَةِ حَيَاتِنَا العَامَّةِ، نَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرَ تَسْتَوْجِبُ الحَذَرَ:

1. فِتْنَةُ الاخْتِلَاطِ وَطَمْسُ الفِطْرَةِ:
سَأَلَ صَحَافِيٌّ مُعَلِّمًا فِي إِحْدَى الأَرْيَافِ مُسْتَنْكِرًا: "لِمَاذَا تَفْصِلُونَ الأَوْلَادَ فِي صَفٍّ وَالبَنَاتِ فِي صَفٍّ آخَرَ؟" صَمَتَ المُعَلِّمُ وَقَالَ: "اسْأَلْهُمْ". فَأَجَابَ طِفْلٌ بِبَرَاءَةٍ: "أُرِيدُ الجُلُوسَ مَعَ صَاحِبِي". هَذِهِ هِيَ الفِطْرَةُ النَّقِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تُشَوِّهَهَا دَعَوَاتُ الانْفِتَاحِ المُزَيَّفِ.
اليَوْمَ، نَرَى آثَارَ الاخْتِلَاطِ المُدَمِّرَةَ أَمَامَ المَعَاهِدِ، وَفِي مُدَرَّجَاتِ الجَامِعَاتِ، وَحَتَّى فِي وَسَائِلِ النَّقْلِ المُكْتَظَّةِ حَيْثُ يُفْرَضُ التَّلَاحُمُ بِدَعْوَى الِازْدِحَامِ. وَالنَّتِيجَةُ الكَارِثِيَّةُ الَّتِي نَلْمَسُهَا اليَوْمَ: الاخْتِلَاطُ أَوْرَثَ بَعْضَ الأَوْلَادِ أُنُوثَةً وَتَمَيُّعًا، وَأَوْرَثَ بَعْضَ البَنَاتِ رُجُولَةً وَخُشُونَةً، فَضَاعَتِ المُرُوءَةُ مِنْ هَذَا، وَانْخَدَشَ الحَيَاءُ مِنْ تِلْكَ.

2. أُسْطُورَةُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ":
مِنْ أَخْطَرِ مَا غَرَسَهُ الإِعْلَامُ المُعَاصِرُ وَمَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ (مِثْلُ سَنَاب شَات وَإِنْسْتِغْرَام وَغَيْرِهَا) فِي عُقُولِ أَبْنَائِنَا هُوَ تَطْبِيعُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى". أَصْبَحْنَا نَسْمَعُ مُصْطَلَحَاتٍ مِثْلَ: "زَمِيلِي فِي الدِّرَاسَةِ"، أَوْ "صَدِيقَتِي الاِفْتِرَاضِيَّةِ". وَتَحْتَ غِطَاءِ هَذِهِ الصَّدَاقَةِ البَرِيئَةِ المُزَيَّفَةِ، تُكْسَرُ حَوَاجِزُ الحَيَاءِ، وَتَبْدَأُ المُحَادَثَاتُ اللَّيْلِيَّةُ، وَيَتَسَلَّلُ التَّعَلُّقُ العَاطِفِيُّ، لِنَصِلَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَآسٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَتَحْطِيمٍ لِبُيُوتٍ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. الإِسْلَامُ حَافَظَ عَلَى المَرْأَةِ كَدُرَّةٍ مَصُونَةٍ، وَوَضَعَ حُدُودًا لِلتَّعَامُلِ تَمْنَعُ الخَلْوَةَ وَالخُضُوعَ بِالقَوْلِ.

3. ظَاهِرَةُ التَّسَاهُلِ فِي السَّلَامِ (تَقْبِيلُ كُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ):
لَقَدِ ابْتُلِيَتْ بَعْضُ مُجْتَمَعَاتِنَا بِعَادَةٍ سَيِّئَةٍ تُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالمَنْطِقَ، وَهِيَ التَّسَاهُلُ فِي التَّقْبِيلِ وَالعِنَاقِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي المُنَاسَبَاتِ العَائِلِيَّةِ أَوِ اللِّقَاءَاتِ الوَظِيفِيَّةِ، بِحُجَّةِ "صَفَاءِ النِّيَّةِ" أَوْ "أَنَّهُ بِمَثَابَةِ أَخِيهَا" (كَابْنِ العَمِّ وَابْنِ الخَالِ وَزَمِيلِ العَمَلِ). إِنَّ كَسْرَ هَذَا الحَاجِزِ الجَسَدِيِّ هُوَ خَرْقٌ صَرِيحٌ لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المِسَاسِ بِالنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ حِينَمَا قَالَ: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ». فَالطُّهْرُ يُبْنَى عَلَى حِفْظِ المَسَافَاتِ، وَالاحْتِرَامُ لَا يَقْتَضِي التَّجَاوُزَ.

خِتَامًا؛ لَنْ نَسْعَدَ بِأَوْلَادِنَا وَتَقَرَّ أَعْيُنُنَا بِهِمْ، إِلَّا إِذَا حَصَّنَّا بُيُوتَنَا، وَرَاقَبْنَا شَاشَاتِهِمْ، وَكُنَّا لَهُمْ قُدْوَةً حَسَنَةً فِي العَفَافِ وَالِاسْتِقَامَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَ بُيُوتَنَا قِلَاعًا لِلْفَضِيلَةِ.

lundi 5 octobre 2026

الْمَوْتُ لَيْسَ فَنَاءً- 9/2026

 


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَسَبَقَ فَضْلُهُ وَعَفْوُهُ كُلَّ ذَنْبٍ، كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ هِيَ دَارَ الْقَرَارِ، 

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذُو الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، 

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَبَشَّرَ وَيَسَّرَ، وَأَنْذَرَ وَحَذَّرَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

—----------------------------

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا خَيْرُ الزَّادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ،

سُئِلَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ"

كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضَعُ خَاتَمًا نُقِشَ عَلَيْهِ "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ"، وَكَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ لإِقَامَةِ الْعَدْلِ.

وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ بِطَبْعِهِ يَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ. 

الْحَدِيثُ عَنِ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِضَعْفِهِ وَمَحْدُودِيَّةِ وَقْتِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، مِمَّا يَدْفَعُ الْكَثِيرِينَ إِلَى تَجَنُّبِ الْخَوْضِ فِيهِ كَنَوْعٍ مِنَ الدِّفَاعِ النَّفْسِيِّ.


الْمَوْتُ بالنسبة لكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هَمًّا جَاثِمًا، وَشَبَحًا مُخِيفًا، وَفِرَاقًا مَرِيرًا؛ 

فَإِنَّ النَّظْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَهُ أَرْحَبُ وَأَنْقَى، وَأَعْمَقُ وَأَهْدَى.


لَقَدْ ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ وَفَنَاءٌ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْقَبْرَ سِجْنٌ وَعَذَابٌ لَا نُورَ فِيهِ، وَخَافُوا مِنَ اللِّقَاءِ خَوْفَ قُنُوطٍ وَيَأْسٍ؛ 

فَحَوَّلُوا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ بَوَّابَةً لِلرَّحْمَةِ إِلَى جَحِيمٍ مِنَ الرُّعْبِ! وَنَسُوا أَنَّ الْقَادِمَ عَلَيْهِ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابَ جَنَّتِهِ.


السؤال: كَيْفَ نَظَرَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَيْفَ بَنَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِيزَانًا دَقِيقًا، يَجْمَعُ بَيْنَ خَوْفِ التَّقْصِيرِ وَرَجَاءِ الْعَفْوِ، وَبَيْنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِفَضْلِ الرَّحْمَنِ؛ 

فَلَا يَطْغَى خَوْفٌ فَيُورِثَ الْقُنُوطَ، وَلَا يَغْلِبُ أَمَلٌ فَيَجُرَّ إِلَى الْغُرُورِ..

فَهُوَ يُوقِظُ الْغَافِلَ وَيَدْفَعُهُ إِلَى إِصْلَاحِ عَلَاقَتِهِ مَعَ اللَّهِ وَمَعَ النَّاسِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

—---------------

  • الْمَوْتُ انْتِقَالٌ لَا فَنَاءٌ:
    أَوَّلُ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ ظَنُّ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَانْتِهَاءٌ لِلْوُجُودِ! 

كَلَّا؛ بَلِ الْمَوْتُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ انْتِقَالٌ مِنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِامْتِحَانِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ آل عمران؛ فَالْمَوْتُ بَوَّابَةُ الْخُلُودِ، وَلَيْسَ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ.

  • رَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ أَبْوَابِ النَّجَاةِ:
    يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ عَمَلَهُ هُوَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ الْمُسْتَحَقُّ، فَيَزْهَدُ فِيهِ وَيُقَوِّمُهُ بِمِيزَانِ الدُّنْيَا القَاصِرِ

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْعَمَلَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، أَمَّا النَّجَاةُ فَبِفَضْلِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ». فَالْعَمَلُ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ فِي كَرَمِ اللَّهِ مَعْقُودٌ.

  • الْقَبْرُ بَرْزَخٌ لِلرَّحْمَةِ كَمَا هُوَ لِلْعُقُوبَةِ:
    يَتَوَهَّمُ قَوْمٌ أَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ إِلَّا ظُلْمَةً وَعَذَابًا حَتْمِيًّا لِكُلِّ مَنْ وَلَجَهُ! 

وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَالْقَبْرُ عَالَمُ بَرْزَخٍ، يَفِيضُ فِيهِ النَّعِيمُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا يَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى الظَّالِمِ. فَلِلْمُؤْمِنِ فِيهِ فُسْحَةٌ وَنُورٌ، وَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يونس: 62-64.

"فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ [تَعَالَى] وَلِيًّا، وَ{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، 

-أَمَّا الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا فَهِيَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْمَوَدَّةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَمَا يَرَاهُ الْعَبْدُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وَتَيْسِيرِهِ لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَصَرْفِهِ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ. 

وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَأَوَّلُهَا الْبُشْرَى عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}، 

وَفِي الْقَبْرِ مَا يُبَشَّرُ بِهِ مِنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَفِي الْآخِرَةِ تَمَامُ الْبُشْرَى بِدُخُولِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ."

وَإِنَّمَا سِيقَ الْوَعِيدُ لِلْكَافِرِينَ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ۝ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ الواقعة.

  • الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمَانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ:
    وَمِنَ التَّصَوُّرَاتِ الْخَاطِئَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ تَتَجَرَّعُ أَهْوَالَ الْمَحْشَرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ! 

بَلْ أَمَّنَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: وَقَدْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَمَانَ فِي قَوْلِهِ: 

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ؛ قَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: 

«الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ»، وَقَالَ ﷺ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْعَدْلِ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».

  • خَوْفُ الْقَبُولِ مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ:
    يَبْتَلِي الشَّيْطَانُ بَعْضَ الطَّائِعِينَ بِالْقُنُوطِ مِنْ قَبُولِ أَعْمَالِهِمْ؛ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَجَلَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَا يُوَرِّثُ الْعَمَلَ، لَا مَا يُورِثُ الْيَأْسَ. 

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون؛ 

حَيْثُ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمُ: «الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ»، 

خَوْفًا يَصْحَبُهُ الدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ فِي سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ.

—----------------

اعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ سُبْحَانَهُ فَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ، وَبَسَطَ رَحْمَتَهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ بِسَاطًا لَا يُحَدُّ؛ 

فَمِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ أَنْ يَظُنَّ الْمُذْنِبُ أَنَّ خَطَايَاهُ تَحْجِزُهُ عَنِ التَّوْبَةِ، وَقَدْ نَادَانَا سُبْحَانَهُ بِنِدَاءِ التَّوَدُّدِ فَقَالَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر، 

وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ الشورى.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِصْمَةً وَنَجَاةً؛ 

فَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنِعْمَةِ هَذِهِ الْبُشْرَى فَقَالَ لَهُ: 

«اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» مُسْلِمٌ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ 

فَإِنَّ الْوَعِيدَ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَعَفْوِهِ، وَالْكَرِيمُ يُنْجِزُ وَعْدَهُ بِالْجَزَاءِ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ وَعِيدِهِ بِالْعِقَابِ: 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء.

إِنَّ الْمَوْتَ آتٍ لَا مَحَالَةَ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ النساء، 

غَيْرَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَرِّثَ قُنُوطًا مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». 

فَاسْتَعِدُّوا لِلِقَائِهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

—---------الدعاء

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ فِيهِ.

اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي جَلَالِكَ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْحِيدِ وَالْيَقِينَ.

اللَّهُمَّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، نَسْأَلُكَ حُسْنَ الْخِتَامِ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَبَاتَنَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَارْزُقْنَا أَمْنًا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.