jeudi 8 octobre 2026

نَصَائِحُ لِلْأُسْرَةِ: حِمَايَةُ الفِطْرَةِ فِي زَمَنِ التَّحَدِّيَاتِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَظَّمَ وَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ وَالفَضِيلَةِ وَالعَفَافِ، وَحَذَّرَ مِنْ مَزَالِقِ الرَّذِيلَةِ وَالإِسْفَافِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَمَا يَخْفَى. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الهُدَى وَحَذَّرَهَا مِنَ الغَوَايَةِ وَالانْحِرَافِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِلُ:
إِنَّ أَوْلَادَنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَفَلَذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَزِينَةُ حَيَاتِنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بِهِمْ يَحْلُو العُمْرُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وَيُضَاعَفُ الأَجْرُ، وَهُمْ "قُرَّةُ العَيْنِ" الَّتِي نَدْعُو بِهَا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وَقَدْ جَعَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الامْتِدَادَ الحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

خَطَرُ التَّفْرِيطِ فِي الأَمَانَةِ:
إِنَّ التَّخَلِّي عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّرْبِيَةِ هُوَ غِشٌّ لِلرَّعِيَّةِ وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ. قَالَ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَيَقُولُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (الصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ، فَإِنْ عُوِّدَ الخَيْرَ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ أَبَوَاهُ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ البَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الوِزْرُ فِي رَقَبَةِ القَيِّمِ عَلَيْهِ).

تَحَدِّيَاتُ العَائِلَةِ فِي عَصْرِنَا الحَالِي (خَوَاطِرُ وَوَقَفَاتٌ):

أَيُّهَا الآبَاءُ، إِذَا كَانَتْ تَرْبِيَةُ الأَبْنَاءِ فِي العُصُورِ السَّابِقَةِ تَتَطَلَّبُ جُهْدًا، فَهِيَ اليَوْمَ تَتَطَلَّبُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛ لِكَثْرَةِ المُعَوِّقَاتِ وَالصَّوَارِفِ وَانْفِتَاحِ العَالَمِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ. وَمِنْ خِلَالِ مُتَابَعَةِ حَيَاتِنَا العَامَّةِ، نَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرَ تَسْتَوْجِبُ الحَذَرَ:

1. فِتْنَةُ الاخْتِلَاطِ وَطَمْسُ الفِطْرَةِ:
سَأَلَ صَحَافِيٌّ مُعَلِّمًا فِي إِحْدَى الأَرْيَافِ مُسْتَنْكِرًا: "لِمَاذَا تَفْصِلُونَ الأَوْلَادَ فِي صَفٍّ وَالبَنَاتِ فِي صَفٍّ آخَرَ؟" صَمَتَ المُعَلِّمُ وَقَالَ: "اسْأَلْهُمْ". فَأَجَابَ طِفْلٌ بِبَرَاءَةٍ: "أُرِيدُ الجُلُوسَ مَعَ صَاحِبِي". هَذِهِ هِيَ الفِطْرَةُ النَّقِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تُشَوِّهَهَا دَعَوَاتُ الانْفِتَاحِ المُزَيَّفِ.
اليَوْمَ، نَرَى آثَارَ الاخْتِلَاطِ المُدَمِّرَةَ أَمَامَ المَعَاهِدِ، وَفِي مُدَرَّجَاتِ الجَامِعَاتِ، وَحَتَّى فِي وَسَائِلِ النَّقْلِ المُكْتَظَّةِ حَيْثُ يُفْرَضُ التَّلَاحُمُ بِدَعْوَى الِازْدِحَامِ. وَالنَّتِيجَةُ الكَارِثِيَّةُ الَّتِي نَلْمَسُهَا اليَوْمَ: الاخْتِلَاطُ أَوْرَثَ بَعْضَ الأَوْلَادِ أُنُوثَةً وَتَمَيُّعًا، وَأَوْرَثَ بَعْضَ البَنَاتِ رُجُولَةً وَخُشُونَةً، فَضَاعَتِ المُرُوءَةُ مِنْ هَذَا، وَانْخَدَشَ الحَيَاءُ مِنْ تِلْكَ.

2. أُسْطُورَةُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ":
مِنْ أَخْطَرِ مَا غَرَسَهُ الإِعْلَامُ المُعَاصِرُ وَمَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ (مِثْلُ سَنَاب شَات وَإِنْسْتِغْرَام وَغَيْرِهَا) فِي عُقُولِ أَبْنَائِنَا هُوَ تَطْبِيعُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى". أَصْبَحْنَا نَسْمَعُ مُصْطَلَحَاتٍ مِثْلَ: "زَمِيلِي فِي الدِّرَاسَةِ"، أَوْ "صَدِيقَتِي الاِفْتِرَاضِيَّةِ". وَتَحْتَ غِطَاءِ هَذِهِ الصَّدَاقَةِ البَرِيئَةِ المُزَيَّفَةِ، تُكْسَرُ حَوَاجِزُ الحَيَاءِ، وَتَبْدَأُ المُحَادَثَاتُ اللَّيْلِيَّةُ، وَيَتَسَلَّلُ التَّعَلُّقُ العَاطِفِيُّ، لِنَصِلَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَآسٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَتَحْطِيمٍ لِبُيُوتٍ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. الإِسْلَامُ حَافَظَ عَلَى المَرْأَةِ كَدُرَّةٍ مَصُونَةٍ، وَوَضَعَ حُدُودًا لِلتَّعَامُلِ تَمْنَعُ الخَلْوَةَ وَالخُضُوعَ بِالقَوْلِ.

3. ظَاهِرَةُ التَّسَاهُلِ فِي السَّلَامِ (تَقْبِيلُ كُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ):
لَقَدِ ابْتُلِيَتْ بَعْضُ مُجْتَمَعَاتِنَا بِعَادَةٍ سَيِّئَةٍ تُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالمَنْطِقَ، وَهِيَ التَّسَاهُلُ فِي التَّقْبِيلِ وَالعِنَاقِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي المُنَاسَبَاتِ العَائِلِيَّةِ أَوِ اللِّقَاءَاتِ الوَظِيفِيَّةِ، بِحُجَّةِ "صَفَاءِ النِّيَّةِ" أَوْ "أَنَّهُ بِمَثَابَةِ أَخِيهَا" (كَابْنِ العَمِّ وَابْنِ الخَالِ وَزَمِيلِ العَمَلِ). إِنَّ كَسْرَ هَذَا الحَاجِزِ الجَسَدِيِّ هُوَ خَرْقٌ صَرِيحٌ لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المِسَاسِ بِالنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ حِينَمَا قَالَ: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ». فَالطُّهْرُ يُبْنَى عَلَى حِفْظِ المَسَافَاتِ، وَالاحْتِرَامُ لَا يَقْتَضِي التَّجَاوُزَ.

خِتَامًا؛ لَنْ نَسْعَدَ بِأَوْلَادِنَا وَتَقَرَّ أَعْيُنُنَا بِهِمْ، إِلَّا إِذَا حَصَّنَّا بُيُوتَنَا، وَرَاقَبْنَا شَاشَاتِهِمْ، وَكُنَّا لَهُمْ قُدْوَةً حَسَنَةً فِي العَفَافِ وَالِاسْتِقَامَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَ بُيُوتَنَا قِلَاعًا لِلْفَضِيلَةِ.

lundi 5 octobre 2026

الْمَوْتُ لَيْسَ فَنَاءً- 9/2026

 


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَسَبَقَ فَضْلُهُ وَعَفْوُهُ كُلَّ ذَنْبٍ، كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ هِيَ دَارَ الْقَرَارِ، 

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذُو الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، 

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَبَشَّرَ وَيَسَّرَ، وَأَنْذَرَ وَحَذَّرَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

—----------------------------

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا خَيْرُ الزَّادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ،

سُئِلَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ"

كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضَعُ خَاتَمًا نُقِشَ عَلَيْهِ "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ"، وَكَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ لإِقَامَةِ الْعَدْلِ.

وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ بِطَبْعِهِ يَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ. 

الْحَدِيثُ عَنِ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِضَعْفِهِ وَمَحْدُودِيَّةِ وَقْتِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، مِمَّا يَدْفَعُ الْكَثِيرِينَ إِلَى تَجَنُّبِ الْخَوْضِ فِيهِ كَنَوْعٍ مِنَ الدِّفَاعِ النَّفْسِيِّ.


الْمَوْتُ بالنسبة لكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هَمًّا جَاثِمًا، وَشَبَحًا مُخِيفًا، وَفِرَاقًا مَرِيرًا؛ 

فَإِنَّ النَّظْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَهُ أَرْحَبُ وَأَنْقَى، وَأَعْمَقُ وَأَهْدَى.


لَقَدْ ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ وَفَنَاءٌ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْقَبْرَ سِجْنٌ وَعَذَابٌ لَا نُورَ فِيهِ، وَخَافُوا مِنَ اللِّقَاءِ خَوْفَ قُنُوطٍ وَيَأْسٍ؛ 

فَحَوَّلُوا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ بَوَّابَةً لِلرَّحْمَةِ إِلَى جَحِيمٍ مِنَ الرُّعْبِ! وَنَسُوا أَنَّ الْقَادِمَ عَلَيْهِ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابَ جَنَّتِهِ.


السؤال: كَيْفَ نَظَرَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَيْفَ بَنَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِيزَانًا دَقِيقًا، يَجْمَعُ بَيْنَ خَوْفِ التَّقْصِيرِ وَرَجَاءِ الْعَفْوِ، وَبَيْنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِفَضْلِ الرَّحْمَنِ؛ 

فَلَا يَطْغَى خَوْفٌ فَيُورِثَ الْقُنُوطَ، وَلَا يَغْلِبُ أَمَلٌ فَيَجُرَّ إِلَى الْغُرُورِ..

فَهُوَ يُوقِظُ الْغَافِلَ وَيَدْفَعُهُ إِلَى إِصْلَاحِ عَلَاقَتِهِ مَعَ اللَّهِ وَمَعَ النَّاسِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

—---------------

  • الْمَوْتُ انْتِقَالٌ لَا فَنَاءٌ:
    أَوَّلُ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ ظَنُّ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَانْتِهَاءٌ لِلْوُجُودِ! 

كَلَّا؛ بَلِ الْمَوْتُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ انْتِقَالٌ مِنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِامْتِحَانِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ آل عمران؛ فَالْمَوْتُ بَوَّابَةُ الْخُلُودِ، وَلَيْسَ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ.

  • رَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ أَبْوَابِ النَّجَاةِ:
    يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ عَمَلَهُ هُوَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ الْمُسْتَحَقُّ، فَيَزْهَدُ فِيهِ وَيُقَوِّمُهُ بِمِيزَانِ الدُّنْيَا القَاصِرِ

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْعَمَلَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، أَمَّا النَّجَاةُ فَبِفَضْلِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ». فَالْعَمَلُ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ فِي كَرَمِ اللَّهِ مَعْقُودٌ.

  • الْقَبْرُ بَرْزَخٌ لِلرَّحْمَةِ كَمَا هُوَ لِلْعُقُوبَةِ:
    يَتَوَهَّمُ قَوْمٌ أَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ إِلَّا ظُلْمَةً وَعَذَابًا حَتْمِيًّا لِكُلِّ مَنْ وَلَجَهُ! 

وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَالْقَبْرُ عَالَمُ بَرْزَخٍ، يَفِيضُ فِيهِ النَّعِيمُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا يَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى الظَّالِمِ. فَلِلْمُؤْمِنِ فِيهِ فُسْحَةٌ وَنُورٌ، وَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يونس: 62-64.

"فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ [تَعَالَى] وَلِيًّا، وَ{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، 

-أَمَّا الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا فَهِيَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْمَوَدَّةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَمَا يَرَاهُ الْعَبْدُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وَتَيْسِيرِهِ لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَصَرْفِهِ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ. 

وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَأَوَّلُهَا الْبُشْرَى عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}، 

وَفِي الْقَبْرِ مَا يُبَشَّرُ بِهِ مِنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَفِي الْآخِرَةِ تَمَامُ الْبُشْرَى بِدُخُولِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ."

وَإِنَّمَا سِيقَ الْوَعِيدُ لِلْكَافِرِينَ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ۝ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ الواقعة.

  • الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمَانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ:
    وَمِنَ التَّصَوُّرَاتِ الْخَاطِئَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ تَتَجَرَّعُ أَهْوَالَ الْمَحْشَرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ! 

بَلْ أَمَّنَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: وَقَدْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَمَانَ فِي قَوْلِهِ: 

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ؛ قَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: 

«الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ»، وَقَالَ ﷺ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْعَدْلِ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».

  • خَوْفُ الْقَبُولِ مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ:
    يَبْتَلِي الشَّيْطَانُ بَعْضَ الطَّائِعِينَ بِالْقُنُوطِ مِنْ قَبُولِ أَعْمَالِهِمْ؛ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَجَلَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَا يُوَرِّثُ الْعَمَلَ، لَا مَا يُورِثُ الْيَأْسَ. 

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون؛ 

حَيْثُ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمُ: «الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ»، 

خَوْفًا يَصْحَبُهُ الدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ فِي سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ.

—----------------

اعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ سُبْحَانَهُ فَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ، وَبَسَطَ رَحْمَتَهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ بِسَاطًا لَا يُحَدُّ؛ 

فَمِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ أَنْ يَظُنَّ الْمُذْنِبُ أَنَّ خَطَايَاهُ تَحْجِزُهُ عَنِ التَّوْبَةِ، وَقَدْ نَادَانَا سُبْحَانَهُ بِنِدَاءِ التَّوَدُّدِ فَقَالَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر، 

وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ الشورى.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِصْمَةً وَنَجَاةً؛ 

فَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنِعْمَةِ هَذِهِ الْبُشْرَى فَقَالَ لَهُ: 

«اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» مُسْلِمٌ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ 

فَإِنَّ الْوَعِيدَ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَعَفْوِهِ، وَالْكَرِيمُ يُنْجِزُ وَعْدَهُ بِالْجَزَاءِ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ وَعِيدِهِ بِالْعِقَابِ: 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء.

إِنَّ الْمَوْتَ آتٍ لَا مَحَالَةَ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ النساء، 

غَيْرَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَرِّثَ قُنُوطًا مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». 

فَاسْتَعِدُّوا لِلِقَائِهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

—---------الدعاء

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ فِيهِ.

اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي جَلَالِكَ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْحِيدِ وَالْيَقِينَ.

اللَّهُمَّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، نَسْأَلُكَ حُسْنَ الْخِتَامِ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَبَاتَنَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَارْزُقْنَا أَمْنًا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.


mardi 8 septembre 2026

مِيزَانُ الْقِيمَةِ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ -11/9/2025


بسم الله الرحمن الرحيم

 الحَمْدُ للهِ وَلِيِّ المُؤْمِنِينَ، وَأَنِيسِ الصَّالِحِينَ، وَجَابِرِ المُنْكَسِرِينَ، وَمُغِيثِ المَكْرُوبِينَ، وَمُجِيبِ الدَّاعِينَ؛ (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) الرحمن، 

نَحْمَدُهُ فِي العَافِيَةِ وَالبَلاَءِ، وَنَشْكُرُهُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَنُثْنِي عَلَيْهِ الخَيْرَ كُلَّهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الحِكْمَةُ البَاهِرَةُ فِي أَفْعَالِهِ، وَلَهُ الحُجَّةُ البَالِغَةُ عَلَى عِبَادِهِ؛ لَا يَقْضِي قَضَاءً لِمُؤْمِنٍ إِلاَّ كَانَ خَيْرًا لَهُ؛ فَأَهْلُ الرِّضَا يَنْعَمُونَ بِرِضَاهُمْ، وَأَهْلُ السَّخَطِ يَعُودُ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُمْ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي خاطب ربّه فقال: كما جاء في سيرة ابن هشام: 

<< إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي >>.

صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

—----------------------------------------------------------------------------------------------

مَقَامَاتُ الْمَرْءِ الثَّلَاثَةُ

أَيُّهَا الإخوة، نحن فِي هَذِهِ الدُّنْيَا نعِيشُ فِي مَقَامَاتٍ ثَلَاثَةٍ لَا رَابِعَ لَهَا:

  • رَجُلٌ عِنْدَ نَفْسِكَ: تَعْلَمُ خَطَايَاهَا وَزَلَّاتِهَا وَمَا اسْتَتَرَ عَنِ الْبَشَرِ.

"اللهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ» 

  • وَرَجُلٌ عِنْدَ النَّاسِ: يَحْكُمُونَ عَلَيْكَ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ، يَرْفَعُونَكَ يَوْمًا وَيَخْفِضُونَكَ أَيَّامًا.

حكمة:"رِضا النَّاسِ غايةٌ لا تُدركُ، ورِضا اللهِ غَايةٌ لا تُتركُ، فاتركْ ما لا يُدركُ، وأَدركْ ما لا يُتركُ"

  • وَرَجُلٌ عِنْدَ اللَّهِ: وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْمُطْلَقَةُ الَّتِي لَا زَيْفَ فِيهَا.

فَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ الرَّجُلَ الثَّالِثَ! تَأَمَّلُوا مَعِي فِي سِيرَةِ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. مَاذَا كَانَ قَدْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ؟ اسْمَعُوا إِلَى اسْتِخْفَافِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾.. (فَتًى) بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ وَالتَّهْمِيشِ، ثُمَّ زَادُوا فِي التَّصْغِيرِ فَقَالُوا: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. 

هَذَا قَدْرُهُ فِي مِيزَانِ الْأَرْضِ. لَكِنْ.. لَمَّا نَظَرَ مَلِكُ الْمُلُوكِ إِلَى قَلْبِهِ، مَاذَا سَمَّاهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ؟ قَالَ الْجَلِيلُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. 

فَلْتَسْقُطْ مَوَازِينُ الْأَرْضِ كُلُّهَا إِذَا ارْتَفَعَ مِيزَانُ السَّمَاءِ!

—-----------------------

١. قِصَّةُ سَاقَيْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

  • الْمَشْهَدُ عِنْدَ النَّاسِ: صَعِدَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَجَرَةً لِيَجْتَنِيَ سِوَاكًا، فَكَشَفَتِ الرِّيحُ عَنْ

سَاقَيْهِ، فَكَانَتَا دَقِيقَتَيْنِ نَحِيلَتَيْنِ، فَضَحِكَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِدِقَّتِهِمَا.

  • الْمِيزَانُ عِنْدَ اللَّهِ: غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذَا الْمِيزَانِ الْبَشَرِيِّ الْقَاصِرِ وَقَالَ مُصَحِّحًا بِحَزْمٍ: 

«مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ لَهُوَ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ».

  • مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ: تُبَيِّنُ هَذِهِ الْقِصَّةُ أَنَّ الشَّكْلَ الظَّاهِرِيَّ الَّذِي قَدْ يَسْخَرُ مِنْهُ النَّاسُ أَو

يَسْتَخِفُّونَ بِهِ، قَدْ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ أَثْقَلَ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي بِسَبَبِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ.


٢. قِصَّةُ الصَّحَابِيِّ جُلَيْبِيبٍ

  • الْمَشْهَدُ عِنْدَ النَّاسِ: كَانَ رَجُلًا فَقِيرًا، دَمِيمَ الْخِلْقَةِ، مَغْمُورَ النَّسَبِ، لَا يَكَادُ يُؤْبَهُ لَهُ فِي الْمُجْتَمَعِ، 

حَتَّى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ رَفَضُوا تَزْوِيجَهُ لِقِلَّةِ شَأْنِهِ بَيْنَهُمْ.

  • الْمِيزَانُ عِنْدَ اللَّهِ: عِنْدَمَا اسْتُشْهِدَ فِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ، فَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَبَحَثَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ، وَوَقَفَ 

عَلَى جُثَّتِهِ وَقَالَ الْكَلِمَةَ الْعَظِيمَةَ: «هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ»، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ لِيَكُونَا سَرِيرَهُ.

  • مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ: تَأْكِيدٌ بَلِيغٌ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَالْوَجَاهَةِ، بَلْ بِمَقَامِ 

الْبَذْلِ وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى.


٣. حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ وَمِيلْءُ الْأَرْضِ

  • الْمَشْهَدُ عِنْدَ النَّاسِ: مَرَّ رَجُلٌ غَنِيٌّ ذُو حَسَبٍ وَجَاهٍ، فَقَالَ النَّاسُ: هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ لَيْسَ لَهُ جَاهٌ، فَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ.

  • الْمِيزَانُ عِنْدَ اللَّهِ: بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَادَ هَذَا التَّقْيِيمِ قَائِلًا: 

«هَذَا (أَيِ الْفَقِيرُ) خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».

  • مَوْضِعُ الِاسْتِشْهَادِ: صَدْمَةٌ قَوِيَّةٌ لِلْمَعَايِيرِ الدُّنْيَوِيَّةِ، حَيْثُ يُثْبِتُ أَنَّ شَخْصًا مُهَمَّشًا وَاحِدًا قَدْ يَفُوقُ عِنْدَ اللَّهِ مِلْءَ الْأَرْضِ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ أَوِ الْوُجَهَاءِ.

****************

المصيبة هي أن ترضي الناس بغضب الله

فمن أسباب غضب الله -تعالى- على العبد: أن يُرضيَ الناس ولو بسخط الله، خوفا من كلامهم، أو مجاملة لهم، أو طمعا فيما عندهم، فقد روت عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: 

"مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ"(رواه ابن حبان)، والسخط هو الغضب الشديد المقتضي للعقوبة.

فَلَا تَهْتَمَّ بِرِضَا النَّاسِ، وَبِكَلَامِ النَّاسِ عَنْكَ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ المَقُولَةَ شِعَارًا: 

«إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي» [سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ].

إِنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ اليَوْمَ لَيَشْقَى طَوَالَ حَيَاتِهِ، فَتَرَاهُ يَبْذُلُ أَقْصَى جُهْدِهِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُرْضِيَ فُلَانًا أَوْ عِلَّانًا مِنَ النَّاسِ، وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الكَثِيرَ مِنَ المَعَاصِي، وَرُبَّمَا تَلَاعَبَ بِالقِيَمِ، وَزَوَّرَ الحَقَائِقَ، وَبَاعَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ وَأَخْلَاقَهُ؛ لِيَصِلَ إِلَى هَذَا المَطْلُوبِ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ بَلْ أَمَرَ بِنَقِيضِ ذَلِكَ، فَقَالَ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [التوبة: 62]

*************

الشيخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٍ:

«.. وَإِنْ بَلَغَكَ عَنْهُمْ (الناس) غِيبَةٌ أَوْ رَأَيْتَ مِنْهُمْ مَا يَسُوءُكَ فَكِلْ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَاسْتَعِذْ بِهِ، وَلَا تُشْغِلْ نَفْسَكَ بِالمُكَافَآتِ فَيَزِيدُ الضَّرَرُ. وَاحْذَرْ أَكْثَرَ النَّاسِ؛ (فَظَاهِرُهُمْ ثِيَابٌ وَبَاطِنُهُمْ ذِئَابٌ)؛ يُحْصُونَ عَلَيْكَ العَثَرَاتِ لِيُجَابِهُوكَ بِهَا فِي غَضَبِهِمْ، فَلَا تُعَوِّلْ عَلَى مَوَدَّةِ مَنْ لَمْ تُجَرِّبْهُ.»

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:

«السَّعَادَةُ فِي مُعَامَلَةِ الخَلْقِ، أَنْ تُعَامِلَهُمْ لِلَّهِ، فَتَرْجُوَ اللَّهَ فِيهِمْ وَلَا تَرْجُوَهُمْ فِي اللَّهِ، وَتَخَافَهُ فِيهِمْ وَلَا تَخَافَهُمْ فِي اللَّهِ، وَتُحْسِنَ إِلَيْهِمْ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ لَا لِمُكَافَأَتِهِمْ، وَتَكُفَّ عَنْ ظُلْمِهِمْ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ لَا مِنْهُمْ.. لَا تَخَفْهُمْ فِي اللَّهِ فِيمَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ، بَلِ افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ وَإِنْ كَرِهُوهُ.»

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَالنَّارِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ عَظُمَتْ قِيمَتُهُمْ عِنْدَكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

**************

الدعاء

"اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ قَصْدًا فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْئًا.

اللَّهُمَّ ارْفَعْ قَدْرَنَا عِنْدَكَ، وَأَعْلِ مَقَامَنَا فِي سَمَائِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ غَرَّهُمْ ثَنَاءُ النَّاسِ فَأَهْلَكَهُمْ، وَلَا مِمَّنْ أَخَافَهُمْ ذَمُّ النَّاسِ فَقَنَطَهُمْ. اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ وَرِضَاكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَلْتَمِسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِكَ، وَنَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَإِنْ سَخِطَ النَّاسُ كُلُّهُمْ جَمِيعًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا كَخَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ؛ أُمَّةً قَانِتِينَ لَكَ، حُنَفَاءَ مُخْلِصِينَ، غَيْرَ مُشْرِكِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ؛ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ."