jeudi 8 octobre 2026

نَصَائِحُ لِلْأُسْرَةِ: حِمَايَةُ الفِطْرَةِ فِي زَمَنِ التَّحَدِّيَاتِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَظَّمَ وَرَفَعَ مِنْ شَأْنِ الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ وَالفَضِيلَةِ وَالعَفَافِ، وَحَذَّرَ مِنْ مَزَالِقِ الرَّذِيلَةِ وَالإِسْفَافِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَمَا يَخْفَى. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الهُدَى وَحَذَّرَهَا مِنَ الغَوَايَةِ وَالانْحِرَافِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِلُ:
إِنَّ أَوْلَادَنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَفَلَذَاتُ أَكْبَادِنَا، وَزِينَةُ حَيَاتِنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. بِهِمْ يَحْلُو العُمْرُ، وَبِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِمْ تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وَيُضَاعَفُ الأَجْرُ، وَهُمْ "قُرَّةُ العَيْنِ" الَّتِي نَدْعُو بِهَا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾.
وَقَدْ جَعَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الامْتِدَادَ الحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ حِينَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

خَطَرُ التَّفْرِيطِ فِي الأَمَانَةِ:
إِنَّ التَّخَلِّي عَنْ مَسْؤُولِيَّةِ التَّرْبِيَةِ هُوَ غِشٌّ لِلرَّعِيَّةِ وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ. قَالَ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
وَيَقُولُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (الصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ، فَإِنْ عُوِّدَ الخَيْرَ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ أَبَوَاهُ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ البَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الوِزْرُ فِي رَقَبَةِ القَيِّمِ عَلَيْهِ).

تَحَدِّيَاتُ العَائِلَةِ فِي عَصْرِنَا الحَالِي (خَوَاطِرُ وَوَقَفَاتٌ):

أَيُّهَا الآبَاءُ، إِذَا كَانَتْ تَرْبِيَةُ الأَبْنَاءِ فِي العُصُورِ السَّابِقَةِ تَتَطَلَّبُ جُهْدًا، فَهِيَ اليَوْمَ تَتَطَلَّبُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛ لِكَثْرَةِ المُعَوِّقَاتِ وَالصَّوَارِفِ وَانْفِتَاحِ العَالَمِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ. وَمِنْ خِلَالِ مُتَابَعَةِ حَيَاتِنَا العَامَّةِ، نَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرَ تَسْتَوْجِبُ الحَذَرَ:

1. فِتْنَةُ الاخْتِلَاطِ وَطَمْسُ الفِطْرَةِ:
سَأَلَ صَحَافِيٌّ مُعَلِّمًا فِي إِحْدَى الأَرْيَافِ مُسْتَنْكِرًا: "لِمَاذَا تَفْصِلُونَ الأَوْلَادَ فِي صَفٍّ وَالبَنَاتِ فِي صَفٍّ آخَرَ؟" صَمَتَ المُعَلِّمُ وَقَالَ: "اسْأَلْهُمْ". فَأَجَابَ طِفْلٌ بِبَرَاءَةٍ: "أُرِيدُ الجُلُوسَ مَعَ صَاحِبِي". هَذِهِ هِيَ الفِطْرَةُ النَّقِيَّةُ قَبْلَ أَنْ تُشَوِّهَهَا دَعَوَاتُ الانْفِتَاحِ المُزَيَّفِ.
اليَوْمَ، نَرَى آثَارَ الاخْتِلَاطِ المُدَمِّرَةَ أَمَامَ المَعَاهِدِ، وَفِي مُدَرَّجَاتِ الجَامِعَاتِ، وَحَتَّى فِي وَسَائِلِ النَّقْلِ المُكْتَظَّةِ حَيْثُ يُفْرَضُ التَّلَاحُمُ بِدَعْوَى الِازْدِحَامِ. وَالنَّتِيجَةُ الكَارِثِيَّةُ الَّتِي نَلْمَسُهَا اليَوْمَ: الاخْتِلَاطُ أَوْرَثَ بَعْضَ الأَوْلَادِ أُنُوثَةً وَتَمَيُّعًا، وَأَوْرَثَ بَعْضَ البَنَاتِ رُجُولَةً وَخُشُونَةً، فَضَاعَتِ المُرُوءَةُ مِنْ هَذَا، وَانْخَدَشَ الحَيَاءُ مِنْ تِلْكَ.

2. أُسْطُورَةُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ":
مِنْ أَخْطَرِ مَا غَرَسَهُ الإِعْلَامُ المُعَاصِرُ وَمَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ (مِثْلُ سَنَاب شَات وَإِنْسْتِغْرَام وَغَيْرِهَا) فِي عُقُولِ أَبْنَائِنَا هُوَ تَطْبِيعُ "الصَّدَاقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى". أَصْبَحْنَا نَسْمَعُ مُصْطَلَحَاتٍ مِثْلَ: "زَمِيلِي فِي الدِّرَاسَةِ"، أَوْ "صَدِيقَتِي الاِفْتِرَاضِيَّةِ". وَتَحْتَ غِطَاءِ هَذِهِ الصَّدَاقَةِ البَرِيئَةِ المُزَيَّفَةِ، تُكْسَرُ حَوَاجِزُ الحَيَاءِ، وَتَبْدَأُ المُحَادَثَاتُ اللَّيْلِيَّةُ، وَيَتَسَلَّلُ التَّعَلُّقُ العَاطِفِيُّ، لِنَصِلَ فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَآسٍ أَخْلَاقِيَّةٍ وَتَحْطِيمٍ لِبُيُوتٍ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. الإِسْلَامُ حَافَظَ عَلَى المَرْأَةِ كَدُرَّةٍ مَصُونَةٍ، وَوَضَعَ حُدُودًا لِلتَّعَامُلِ تَمْنَعُ الخَلْوَةَ وَالخُضُوعَ بِالقَوْلِ.

3. ظَاهِرَةُ التَّسَاهُلِ فِي السَّلَامِ (تَقْبِيلُ كُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ):
لَقَدِ ابْتُلِيَتْ بَعْضُ مُجْتَمَعَاتِنَا بِعَادَةٍ سَيِّئَةٍ تُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالمَنْطِقَ، وَهِيَ التَّسَاهُلُ فِي التَّقْبِيلِ وَالعِنَاقِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي المُنَاسَبَاتِ العَائِلِيَّةِ أَوِ اللِّقَاءَاتِ الوَظِيفِيَّةِ، بِحُجَّةِ "صَفَاءِ النِّيَّةِ" أَوْ "أَنَّهُ بِمَثَابَةِ أَخِيهَا" (كَابْنِ العَمِّ وَابْنِ الخَالِ وَزَمِيلِ العَمَلِ). إِنَّ كَسْرَ هَذَا الحَاجِزِ الجَسَدِيِّ هُوَ خَرْقٌ صَرِيحٌ لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المِسَاسِ بِالنِّسَاءِ الأَجْنَبِيَّاتِ حِينَمَا قَالَ: «لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ». فَالطُّهْرُ يُبْنَى عَلَى حِفْظِ المَسَافَاتِ، وَالاحْتِرَامُ لَا يَقْتَضِي التَّجَاوُزَ.

خِتَامًا؛ لَنْ نَسْعَدَ بِأَوْلَادِنَا وَتَقَرَّ أَعْيُنُنَا بِهِمْ، إِلَّا إِذَا حَصَّنَّا بُيُوتَنَا، وَرَاقَبْنَا شَاشَاتِهِمْ، وَكُنَّا لَهُمْ قُدْوَةً حَسَنَةً فِي العَفَافِ وَالِاسْتِقَامَةِ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَ بُيُوتَنَا قِلَاعًا لِلْفَضِيلَةِ.

Aucun commentaire: