mardi 27 janvier 2026

دَاءُ الْغَفْلَةِ-2026

    بسم الله الرحمن الرحيم

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا نَسْتَفْتِحُ بِهِ الْقُلُوبَ قَبْلَ الْأَلْسِنَةِ،

وَنَسْتَنْقِذُ بِهِ الْأَرْوَاحَ مِنْ غَفْلَتِهَا،

وَنَسْتَجْلِي بِهِ صَدَأَ الْقُلُوبِ،

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْذَرَ فَأَعْذَرَ،

وَذَكَّرَ فَأَبْلَغَ،

وَفَتَحَ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الصَّحَائِفُ،

وَأَقَامَ الْحُجَّةَ عَلَى الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ تَتَفَرَّقَ الْأَجْسَادُ.


نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْغَفْلَةَ أَخْطَرُ مِنَ الذَّنْبِ،

وَأَنَّ قَسْوَةَ الْقَلْبِ أَشَدُّ مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَوَارِحِ،

وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ،

شَهَادَةَ مَنْ أَفَاقَ مِنْ غَفْلَتِهِ،

وَتَبَرَّأَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ،

وَتَعَلَّقَ بِفَضْلِ رَبِّهِ وَرَحْمَتِهِ.


وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،

بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ غَارِقَةٍ فِي الْغَفْلَةِ،

فَأَيْقَظَ الْقُلُوبَ بَعْدَ رُقُودِهَا،

وَأَحْيَا الْأَرْوَاحَ بَعْدَ مَوْتِهَا،

وَجَعَلَ ذِكْرَ اللَّهِ حَيَاةً لِلْقُلُوبِ،

وَجَعَلَ الْغَفْلَةَ مَوْتًا وَخُسْرَانًا.


اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ،

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ،

الَّذِينَ عَرَفُوا قِيمَةَ الْوَقْتِ،

وَخَافُوا مِنَ الْغَفْلَةِ كَمَا يُخَافُ مِنَ النَّارِ،

وَسَارُوا إِلَى اللَّهِ بِقُلُوبٍ يَقِظَةٍ،

لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.


أَمَّا بَعْدُ،


فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ،

تَقْوَى تُوقِظُ الْقَلْبَ مِنْ غَفْلَتِهِ،

وَتَحْجُبُهُ عَنْ مَزَالِقِ الْهَوَى،

فَإِنَّ التَّقْوَى حَيَاةُ الْقُلُوبِ،

وَالْغَفْلَةَ مَوْتُهَا،

وَمَا اجْتَمَعَتْ تَقْوًى وَغَفْلَةٌ فِي قَلْبٍ،

إِلَّا غَلَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.


يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،


إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ الضَّجِيجُ،

وَقَلَّ فِيهِ السُّكُونُ،

وَكَثُرَ فِيهِ الْمُشْغِلُ،

وَقَلَّ فِيهِ الْمُذَكِّرُ،

زَمَنٍ تُؤَدَّى فِيهِ الْعِبَادَاتُ صُوَرًا،

وَتُهْمَلُ الْقُلُوبُ مَعَانِيَ وَحُضُورًا.


زَمَنٍ يَحْسِبُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى خَيْرٍ،

وَهُمْ فِي الْغَفْلَةِ غَارِقُونَ،

يَعْمَلُونَ وَلَا يُخْلِصُونَ،

وَيَسْمَعُونَ وَلَا يَتَأَثَّرُونَ،

وَيَرَوْنَ الْمَوْتَ كُلَّ يَوْمٍ،

وَكَأَنَّهُ وُعِدَ لِغَيْرِهِمْ.


وَمِنْ هُنَا، كَانَ لَازِمًا أَنْ نَقِفَ وَقْفَةَ صِدْقٍ،

وَأَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ دَاءٍ إِذَا تَسَلَّلَ إِلَى الْقَلْبِ أَهْلَكَهُ،

وَإِذَا اسْتَحْوَذَ عَلَى النَّفْسِ قَادَهَا إِلَى الْخُسْرَانِ،

أَلَا وَهُوَ دَاءُ الْغَفْلَةِ.

—--------

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ،


مَا ابْتُلِيَتِ الْقُلُوبُ بِدَاءٍ أَخْفَى، وَلَا أَفْتَكَ، وَلَا أَشَدَّ خَطَرًا مِنَ الْغَفْلَةِ؛

دَاءٌ لَا يُوجِعُ الْجَسَدَ، وَلَكِنَّهُ يُهْلِكُ الْقَلْبَ،

وَلَا يُعَطِّلُ الْجَوَارِحَ، وَلَكِنَّهُ يُعَطِّلُ الْبَصِيرَةَ.


اَلْغَفْلَةُ لَيْسَتْ فَقْدَانَ الْعِلْمِ، بَلْ فَقْدَانَ الْحُضُورِ؛

أَنْ تَعْلَمَ وَلَا تَعْمَلَ،

وَأَنْ تَسْمَعَ وَلَا تَتَأَثَّرَ،

وَأَنْ تَرَى الْآيَاتِ تَتَكَرَّرُ، وَقَلْبُكَ لَا يَتَحَرَّكُ.


أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،


مِنَ الْغَفْلَةِ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْكَ الصَّلَوَاتُ، فَتُؤَدِّيَهَا عَادَةً لَا عِبَادَةً،

وَأَنْ يُتْلَى عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَلَا تَشْعُرَ أَنَّهُ يُخَاطِبُكَ،

وَأَنْ تَرَى الْمَوْتَ كُلَّ يَوْمٍ مَحْمُولًا عَلَى الْأَكْتَافِ، ثُمَّ تَظُنَّ أَنَّكَ أَنْتَ الْمُسْتَثْنَى!


مِنَ الْغَفْلَةِ أَنْ يُنْذِرَكَ الشَّيْبُ فَلَا تَنْتَبِهَ،

وَأَنْ يَطْرُقَ الْمَرَضُ بَابَكَ فَلَا تَرْجِعَ،

وَأَنْ تُفْتَحَ لَكَ أَبْوَابُ الدُّنْيَا، فَتَظُنَّهَا عَلَامَةَ رِضًا، وَهِيَ قَدْ تَكُونُ اسْتِدْرَاجًا.


عِبَادَ اللَّهِ،


مِنْ أَخْطَرِ مَعَانِي الْغَفْلَةِ: الْغَفْلَةُ عَنِ الْوَقْتِ.

تَمُرُّ الْأَعْمَارُ، وَتُسْتَهْلَكُ السَّاعَاتُ، وَتُهْدَرُ الْأَيَّامُ،

فِيمَا لَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ، وَلَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ.


سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ مَعَ الشَّاشَاتِ،

وَأَعْمَارٌ تُصْرَفُ فِي اللَّهْوِ وَالتَّشَاغُلِ،

ثُمَّ إِذَا قِيلَ لِلْعَبْدِ: مَاذَا قَدَّمْتَ؟

قَالَ: كُنْتُ مَشْغُولًا!


وَوَاللَّهِ، مَا نَدِمَ أَهْلُ الْقُبُورِ عَلَى شَيْءٍ،

كَنَدَمِهِمْ عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ.


وَمِنَ الْغَفْلَةِ: الْغَفْلَةُ عَنِ النِّعَمِ.

نِعَمٌ تُحِيطُ بِالْعَبْدِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ:

صِحَّةٌ، وَأَمْنٌ، وَوَقْتٌ، وَسِتْرٌ،

وَلَكِنَّ الْقَلْبَ لَا يَشْكُرُ، وَاللِّسَانَ لَا يَذْكُرُ.


فَإِذَا سُلِبَتِ النِّعْمَةُ، قَالَ: لِمَاذَا أَنَا؟

وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ النِّعَمَ تُحْفَظُ بِالشُّكْرِ،

وَتُسْلَبُ بِالْغَفْلَةِ،

لَخَافَ مِنَ الْغَفْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِ مِنَ الْفَقْرِ.


أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

وَمِنْ أَخْطَرِ الْغَفْلَةِ: الْغَفْلَةُ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ.

أَنْ تَرَى عُيُوبَ النَّاسِ جِبَالًا،

وَعُيُوبَكَ ذَرَّاتٍ،

أَنْ تُحَاسِبَ غَيْرَكَ، وَتُعْفِيَ نَفْسَكَ.

وَالْغَافِلُ لَا يَرَى عَيْبَهُ،

وَمَنْ لَمْ يَرَ عَيْبَهُ، هَلَكَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.


عِبَادَ اللَّهِ،

لَيْسَتِ الْمُصِيبَةُ أَنْ تُذْنِبَ،

وَلَكِنَّ الْمُصِيبَةَ أَنْ تُذْنِبَ وَأَنْتَ آمِنٌ،

أَنْ تُخَالِفَ وَلَا تَخَافَ،

أَنْ تَعْصِيَ وَلَا تَنْكَسِرَ.


فَالْمَعْصِيَةُ مَعَ يَقَظَةٍ تُولِّدُ تَوْبَةً،

وَأَمَّا الطَّاعَةُ مَعَ غَفْلَةٍ،

فَقَدْ تُولِّدُ عُجْبًا وَخُذْلَانًا.

***********

عِبَادَ اللَّهِ، 

غَفْلَةُ الْيَوْمِ لَيْسَتْ عَارِضَةً، بَلْ نِظَامَ حَيَاةٍ:

ضَجِيجٌ دَائِمٌ،

وَانْشِغَالٌ مُسْتَمِرٌّ،

وَرَسَائِلُ لَا تَنْتَهِي،

حَتَّى صَارَ الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَا بِنَفْسِهِ، اسْتَوْحَشَ مِنَ السُّكُونِ؛

لِأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا لَمْ يُعَوَّدْ عَلَى الذِّكْرِ،

نَفَرَ مِنَ الْخَلْوَةِ.


فَكَيْفَ النَّجَاةُ؟


النَّجَاةُ – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – فِي الْيَقَظَةِ:

يَقَظَةٍ بِالذِّكْرِ،

وَيَقَظَةٍ بِالْقُرْآنِ تَدَبُّرًا لَا تِلَاوَةً بِاللِّسَانِ فَقَطْ،

وَيَقَظَةٍ بِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبَ،

وَيَقَظَةٍ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، لَا لِلْيَأْسِ، بَلْ لِلِاسْتِعْدَادِ.


فَإِنَّ أَوَّلَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ: الْيَقَظَةُ،

وَآخِرَ مَنَازِلِ الْهَالِكِينَ: الْغَفْلَةُ.


أَفِيقُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الصَّحَائِفُ،

أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مِنَ الْغَافِلِينَ،

أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ الْحَسْرَةُ يَقِينًا.

***********

الدُّعَاء

اَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ،

وَلَكَ الشُّكْرُ شُكْرَ الْمُقِرِّينَ بِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ.

اَللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغَفْلَةِ،

وَأَحْيِهَا بِنُورِ ذِكْرِكَ،

وَطَهِّرْهَا مِنْ قَسْوَتِهَا،

وَاشْرَحْهَا لِطَاعَتِكَ،

وَلَا تَكِلْهَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.

اَللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ،

وَمِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ،

وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ،

وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ.

اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْغَافِلِينَ وَنَحْنُ لَا نَشْعُرُ،

وَلَا مِنَ الْمُعْرِضِينَ وَنَحْنُ نَسْتَمِعُ،

وَلَا مِنَ الْآمِنِينَ وَنَحْنُ نُذْنِبُ.

اَللَّهُمَّ ذَكِّرْنَا إِذَا نَسِينَا،

وَنَبِّهْنَا إِذَا غَفَلْنَا،

وَخُذْ بِنَوَاصِينَا إِلَى مَا يُرْضِيكَ عَنَّا.

اَللَّهُمَّ ارْزُقْنَا يَقْظَةً فِي الْقُلُوبِ،

وَصِدْقًا فِي التَّوْبَةِ،

وَإِخْلَاصًا فِي الْعَمَلِ،

وَثَبَاتًا عِنْدَ الْفِتَنِ،

وَحُسْنَ خِتَامٍ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَجَلِ.

اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا،

وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا،

وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا،

وَاجْعَلِ الْآخِرَةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا.

اَللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا،

وَلَا تَجْعَلْهَا حُجَّةً عَلَيْنَا،

وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كُلَّهَا،

دِقَّهَا وَجِلَّهَا،

أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا،

سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا.

اَللَّهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَنَا،

وَاجْبُرْ كَسْرَنَا،

وَتَوَلَّ أَمْرَنَا،

وَلَا تَفْضَحْنَا يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.

اَللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِخَيْرٍ،

وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا،

وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا،

وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.

اَللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ،

وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ،

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.


Aucun commentaire: