lundi 5 octobre 2026

الْمَوْتُ لَيْسَ فَنَاءً- 9/2026

 


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَسَبَقَ فَضْلُهُ وَعَفْوُهُ كُلَّ ذَنْبٍ، كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ هِيَ دَارَ الْقَرَارِ، 

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذُو الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، 

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَبَشَّرَ وَيَسَّرَ، وَأَنْذَرَ وَحَذَّرَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

—----------------------------

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهَا خَيْرُ الزَّادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ،

سُئِلَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ"

كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَضَعُ خَاتَمًا نُقِشَ عَلَيْهِ "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ"، وَكَانَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ لإِقَامَةِ الْعَدْلِ.

وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ بِطَبْعِهِ يَخَافُ مِنَ الْمَوْتِ. 

الْحَدِيثُ عَنِ الْمَوْتِ يُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِضَعْفِهِ وَمَحْدُودِيَّةِ وَقْتِهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، مِمَّا يَدْفَعُ الْكَثِيرِينَ إِلَى تَجَنُّبِ الْخَوْضِ فِيهِ كَنَوْعٍ مِنَ الدِّفَاعِ النَّفْسِيِّ.


الْمَوْتُ بالنسبة لكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ هَمًّا جَاثِمًا، وَشَبَحًا مُخِيفًا، وَفِرَاقًا مَرِيرًا؛ 

فَإِنَّ النَّظْرَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَهُ أَرْحَبُ وَأَنْقَى، وَأَعْمَقُ وَأَهْدَى.


لَقَدْ ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ وَفَنَاءٌ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْقَبْرَ سِجْنٌ وَعَذَابٌ لَا نُورَ فِيهِ، وَخَافُوا مِنَ اللِّقَاءِ خَوْفَ قُنُوطٍ وَيَأْسٍ؛ 

فَحَوَّلُوا مَا جَعَلَهُ اللَّهُ بَوَّابَةً لِلرَّحْمَةِ إِلَى جَحِيمٍ مِنَ الرُّعْبِ! وَنَسُوا أَنَّ الْقَادِمَ عَلَيْهِ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابَ جَنَّتِهِ.


السؤال: كَيْفَ نَظَرَ الْإِسْلَامُ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَيْفَ بَنَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِيزَانًا دَقِيقًا، يَجْمَعُ بَيْنَ خَوْفِ التَّقْصِيرِ وَرَجَاءِ الْعَفْوِ، وَبَيْنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِفَضْلِ الرَّحْمَنِ؛ 

فَلَا يَطْغَى خَوْفٌ فَيُورِثَ الْقُنُوطَ، وَلَا يَغْلِبُ أَمَلٌ فَيَجُرَّ إِلَى الْغُرُورِ..

فَهُوَ يُوقِظُ الْغَافِلَ وَيَدْفَعُهُ إِلَى إِصْلَاحِ عَلَاقَتِهِ مَعَ اللَّهِ وَمَعَ النَّاسِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

—---------------

  • الْمَوْتُ انْتِقَالٌ لَا فَنَاءٌ:
    أَوَّلُ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ ظَنُّ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَانْتِهَاءٌ لِلْوُجُودِ! 

كَلَّا؛ بَلِ الْمَوْتُ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ انْتِقَالٌ مِنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِامْتِحَانِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ آل عمران؛ فَالْمَوْتُ بَوَّابَةُ الْخُلُودِ، وَلَيْسَ نِهَايَةَ الْقِصَّةِ.

  • رَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ أَبْوَابِ النَّجَاةِ:
    يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ عَمَلَهُ هُوَ ثَمَنُ الْجَنَّةِ الْمُسْتَحَقُّ، فَيَزْهَدُ فِيهِ وَيُقَوِّمُهُ بِمِيزَانِ الدُّنْيَا القَاصِرِ

وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْعَمَلَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، أَمَّا النَّجَاةُ فَبِفَضْلِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ». فَالْعَمَلُ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ فِي كَرَمِ اللَّهِ مَعْقُودٌ.

  • الْقَبْرُ بَرْزَخٌ لِلرَّحْمَةِ كَمَا هُوَ لِلْعُقُوبَةِ:
    يَتَوَهَّمُ قَوْمٌ أَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ إِلَّا ظُلْمَةً وَعَذَابًا حَتْمِيًّا لِكُلِّ مَنْ وَلَجَهُ! 

وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَالْقَبْرُ عَالَمُ بَرْزَخٍ، يَفِيضُ فِيهِ النَّعِيمُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا يَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى الظَّالِمِ. فَلِلْمُؤْمِنِ فِيهِ فُسْحَةٌ وَنُورٌ، وَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يونس: 62-64.

"فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ [تَعَالَى] وَلِيًّا، وَ{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، 

-أَمَّا الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا فَهِيَ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، وَالْمَوَدَّةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَمَا يَرَاهُ الْعَبْدُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وَتَيْسِيرِهِ لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَصَرْفِهِ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ. 

وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَأَوَّلُهَا الْبُشْرَى عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}، 

وَفِي الْقَبْرِ مَا يُبَشَّرُ بِهِ مِنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَفِي الْآخِرَةِ تَمَامُ الْبُشْرَى بِدُخُولِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ."

وَإِنَّمَا سِيقَ الْوَعِيدُ لِلْكَافِرِينَ: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ۝ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ۝ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ الواقعة.

  • الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمَانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ:
    وَمِنَ التَّصَوُّرَاتِ الْخَاطِئَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ تَتَجَرَّعُ أَهْوَالَ الْمَحْشَرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ! 

بَلْ أَمَّنَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: وَقَدْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَمَانَ فِي قَوْلِهِ: 

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُمُ اللَّهُ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ؛ قَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: 

«الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ»، وَقَالَ ﷺ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْعَدْلِ: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا».

  • خَوْفُ الْقَبُولِ مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ:
    يَبْتَلِي الشَّيْطَانُ بَعْضَ الطَّائِعِينَ بِالْقُنُوطِ مِنْ قَبُولِ أَعْمَالِهِمْ؛ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَجَلَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَا يُوَرِّثُ الْعَمَلَ، لَا مَا يُورِثُ الْيَأْسَ. 

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون؛ 

حَيْثُ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمُ: «الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ»، 

خَوْفًا يَصْحَبُهُ الدُّعَاءُ وَالرَّجَاءُ فِي سَعَةِ فَضْلِ اللَّهِ.

—----------------

اعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ سُبْحَانَهُ فَتَحَ لِلتَّائِبِينَ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ، وَبَسَطَ رَحْمَتَهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ بِسَاطًا لَا يُحَدُّ؛ 

فَمِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ أَنْ يَظُنَّ الْمُذْنِبُ أَنَّ خَطَايَاهُ تَحْجِزُهُ عَنِ التَّوْبَةِ، وَقَدْ نَادَانَا سُبْحَانَهُ بِنِدَاءِ التَّوَدُّدِ فَقَالَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر، 

وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ الشورى.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الرَّحْمَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِصْمَةً وَنَجَاةً؛ 

فَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنِعْمَةِ هَذِهِ الْبُشْرَى فَقَالَ لَهُ: 

«اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» مُسْلِمٌ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ 

فَإِنَّ الْوَعِيدَ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَعَفْوِهِ، وَالْكَرِيمُ يُنْجِزُ وَعْدَهُ بِالْجَزَاءِ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ وَعِيدِهِ بِالْعِقَابِ: 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء.

إِنَّ الْمَوْتَ آتٍ لَا مَحَالَةَ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ النساء، 

غَيْرَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَرِّثَ قُنُوطًا مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». 

فَاسْتَعِدُّوا لِلِقَائِهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

—---------الدعاء

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ فِيهِ.

اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي جَلَالِكَ، وَارْزُقْنَا صِدْقَ التَّوْحِيدِ وَالْيَقِينَ.

اللَّهُمَّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، نَسْأَلُكَ حُسْنَ الْخِتَامِ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَبَاتَنَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَارْزُقْنَا أَمْنًا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.