السفه مظاهره و علاجه-2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الحليمِ الرَّشيد، العليمِ المجيد، الَّذي دعا عبادَه إلى الحِكمةِ والرُّشد، ونهاهم عن السَّفَهِ والغَيِّ والفساد، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، جعل العَقلَ نِعمةً، والرُّشدَ مَسلكًا، والسَّفَهَ مَهلكةً.
وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمّدًا عبدُه ورسولُه، إمامُ العقلاءِ وسَيِّدُ الحكماءِ، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمّا بعدُ، فيا عبادَ الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنّها رأسُ الحكمة، وأساسُ الرُّشد، وسببُ النَّجاة في الدُّنيا والآخرة.
—---------------------------------
أيّها المؤمنون،
إنَّ من أخطرِ الآفاتِ التي تُصيبُ الأفرادَ والمجتمعات السَّفَه؛ لأنّه يُعطِّلُ العَقل، ويُميتُ الحكمة، ويقودُ صاحبه إلى الندم حيث لا ينفع الندم.
السَّفَهُ لغةً: الخِفَّةُ والطَّيشُ وقِلَّةُ العقل.
وشرعًا: الخروجُ عن مقتضى الحكمة، باتّباع الهوى، في الاعتقاد أو القول أو العمل.
السفهُ هو: سرعةُ الغضب من يسير الأمور وإظهارُ الجزع من أدنى ضرر والسَّبُّ الفاحشُ البذيء، وهو نقيضُ الحِلْم والأناة.
ولذلك جاء القرآنُ الكريم يَذمُّ السَّفَه وأهلَه، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ البقرة.
أي: جَهِل قدرَ نفسِه، وأهان عقلَه، فاستبدل الهدى بالضلال.
العاقلُ: كُلُّ صاحبِ عقلٍ سار مع مراد الله تعالى ومرادِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو العاقلُ الفطِنُ السَّليم،
-ومن نَدَّ عن مراد الله ومرادِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - فهو السَّفيه؛ وإن كان عقلُه يفوقُ عقولَ الدُّهاة؛ ولهذا وصفَ اللهُ تعالى كلَّ من عاند أو نَدَّ عن شِرعتِه ومِنهاجِه بالسَّفه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 13]،
ومن علامات السَّفه و أخطرها: سَفَهُ الاعتقاد: حين يُصدّق الإنسان كلَّ شبهةٍ، ويُكذّب الحقائق، ويتجرّأ على الدِّين بغير علم.
الاستهزاءُ بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، أو السخريةُ بشيء من أمور الدين أو التهوينُ من شأن الشريعة الإسلامية ووصفِها بالتخلفِ أو النقصانِ أو الاعتقادُ بعدم ملاءمة شريعة الإسلام للعصر أو لواقع الحال.
ولهذا أيضا كان خوفُ موسى - عليه السلام - من السَّفَهِ في أمور الدين خشيةَ أن تعُمَّهم العقوبةُ من الله تعالى، فكان كلامُ موسى لربه؛
﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴾ الأعرف
عبادَ الله،
للسَّفَهِ مظاهرُ كثيرةٌ في حياتِنا، منها:
-في الإعتقاد كما رأينا.
-وسَفَهُ الأقوال: في السبّ، والسُّخرية، والتنابز، وإطلاق الأحكام بلا علم، خاصّةً في وسائل التواصل الاجتماعي.
-وسَفَهُ الأفعال: في الطيش، والعنف، وإضاعة الأموال، وتخريب العلاقات، وقطع الأرحام.
-ومن أضرار السفه في الأمور الدنيوية: حصولُ التصرفِ في المال بما يخالفُ شرعَ الله تعالى أو حصولُ التبذيرِ والإسرافِ في المال؛
ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تُؤْتُّوا السُّفهاءَ أمْوالَكُم.. ﴾ النساء
وجامع الأمر في ذلك هو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
« مَنْ يأخُذْ مالًا بحقه يُبارَكْ له فيه ومن يأخذْ مالًا بغير حقه فمَثَلُه كَمثَلِ الذي يأكلُ ولا يشْبَع »مسلم
****
وقد وصف الله عبادَه الصالحين بقوله:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾
[ الفرقان: 63]
أي: لم ينجرّوا إلى السَّفَه، ولم يردّوا الطيش بطيش، بل قابلوا الجهل بالحِلم.
أيّها الإخوة،
لقد أصبح السَّفَه اليوم مُنتشرًا ومُطبَّعًا، يُسمّى أحيانًا: جرأة، أو صراحة، أو حرّية رأي!
فترى من يُهين الناس، ويستهزئ بالمقدّسات، ويثير الفتن، ثمّ يقول: «هذا رأيي»!
والحقّ أنّ ليس كلُّ رأيٍ يُقال، ولا كلُّ ما يُعرف يُنشر، ولا كلُّ ما يُغضِب يُكتب.
قال بعض الحكماء:
العاقلُ إذا غضب سكت، وإذا قُدِر عفا، وإذا تكلّم اختار.
قصّةٌ مؤثّرة:
ذُكر أنّ رجلًا سفيهًا كان يؤذي الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله، فيرفع صوتَه عليه ويُسيء الأدب.
فما كان من الإمام إلا أن قال له يومًا:
«يا هذا، إن كان فيك خيرٌ فالله يهديك، وإن لم يكن فيك خيرٌ فالله يكفينا شرّك».
فسكت الرجل وبكى، وقال: ما رأيتُ حِلمًا كهذا الحِلم.
وهكذا يُطفئ الحِلمُ نارَ السَّفَه، ويُهزم الطيشُ بالصبر.
عبادَ الله، إنّ السَّفَه لا يدمّر صاحبه فقط، بل
يُخرّب البيوت،
ويفسد العلاقات،
ويُضيّع هيبة المجتمع،
ويجعل الجاهلَ متقدّمًا، والحكيمَ مُؤخَّرًا.
<<سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ قالَ الرَّجلُ التَّافِهُ في أمرِ العامَّةِ>> صحيح.ابن ماجة و أحمد
والرويبضة هو "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". يشير الحديث إلى انقلاب الموازين وانتشار التفاهة، حيث يتولى غير المؤهلين الحديث في شؤون المجتمع، وتصبح الحقائق مُزيفة وينتشر الكذب والخيانة في وقت تنعدم فيه الأمانة.
أيّها المؤمنون، علاجُ السَّفَه يكون بـ:
-تعظيمِ نعمةِ العقل،
-والتأدّبِ بأدبِ القرآن،
-وكثرةِ ذِكرِ الله؛ فإنّ الذِّكر يُنيرُ العقول،
-ومجالسةِ الحكماء،
-وضبطِ اللسان، خاصّةً في زمن الكلمة السريعة والمنشور العابر.
—---------------------------------
دعاءُ الختام
اللهمَّ يا حليمُ يا رشيد، نسألُك عقولًا راجحة، وقلوبًا سليمة، وألسنةً صادقة،
اللهمَّ جنّبنا السَّفَه والطيش، واهدِنا إلى الرُّشد والصواب،
اللهمَّ أصلِح شبابَ المسلمين، واحفظ ألسنتَهم وأقلامَهم،
واجعلنا من عبادِك الحلماء، الذين إذا جهل عليهم الجاهلون قالوا سلامًا،
اللهمَّ أصلِح أحوالَنا، وألّف بين قلوبِنا، واحفظ بلادَنا وسائر بلاد المسلمين.
اللهمَّ يا حكيمُ يا عليم، يا مَن خلقتَ العقلَ نورًا، وجعلتَ الحِلمَ تاجًا،
نسألُك رُشدًا في الأقوال، وتوفيقًا في الأفعال، وبصيرةً تردّنا إلى الحقّ إذا زلَلنا.
اللهمَّ طهِّر قلوبَنا من الطيش، وألسنتَنا من السَّفَه، وأعمالَنا من الهوى،
ولا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين.
اللهمَّ اجعلنا ممّن إذا تكلّموا صدقوا، وإذا غُضِبوا حَلِموا، وإذا قُدِروا عفَوا،
ولا تجعلنا ممّن يُفسدون وهم يظنّون أنّهم يُحسنون صنعًا.
اللهمَّ أصلِح شبابَ المسلمين، واحفَظ عقولَهم من الانسياق خلف الشُّبهات،
واحفَظ ألسنتَهم وأقلامَهم من التسرّع والاندفاع.
اللهمَّ إنّا نعوذُ بك من جهلٍ يُضلّنا، ومن هوىً يُغوينا، ومن سَفَهٍ يُردينا،
ونسألُك حلمًا يَحجزُنا، وعقلًا يَهدينا، ونورًا يُبصّرُنا.
إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلّكم تذكّرون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمِه يزِدكم، ولذكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire