بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب المشارق والمغارب، خلق الإنسان من طين لازب...
ثم جعله نطفة بين الصلب والترائب...خلق منه زوجه وجعل منهما الأبناء والأقارب...
وحمله في البَرِّ وفي البحر...
نحمَده تبارك وتعالى حمد الطامع في المزيد والطالب...
ونعوذ بنور وجهه الكريم من شر العواقب...
وندعوك يا ربي دعاء المستغفر الوجل التائب، أن تحفظنا من كل شر حاضر أو غائب...
وأشهد أن لا إله إلا الله القوى الغالب...
شهادة متيقنٍ أن الوحدانية لله أمرٌ لازم…
وأشهد أنّ محمدا عبده و رسوله..
اللهمّ صلّ و سلّم على نبيّنا المصطفى وعلى آله و صحبه الأكارم.
—----------------------------------
[[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ]] الأحزاب
أيُّهَا الإِخْوَةُ الْكِرَامُ،
لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ،
لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي.
التَّغَافُلُ…خُلُقُ الْكِرَامِ وَسِرُّ اسْتِقْرَارِ الْبُيُوت.
لَا يَخْلُو إِنْسَانٌ مِنْ نَقْصٍ،
وَمِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ يَجِدَ أَيُّ زَوْجَيْنِ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ أَحَدُهُمَا فِي الطَّرَفِ الآخَرِ كَامِلًا.
وَلَا يَكَادُ يَمُرُّ أُسْبُوعٌ
إِلَّا وَيَشْعُرُ أَحَدُهُمَا بِالضِّيقِ مِنْ تَصَرُّفٍ أَوْ عَمَلٍ لِلآخَرِ.
وَلَيْسَ مِنَ الْمَعْقُولِ أَنْ تَنْدَلِعَ حَرْبٌ كَلَامِيَّةٌ كُلَّ يَوْمٍ، وَكُلَّ أُسْبُوعٍ،
عَلَى أَمْرٍ تَافِهٍ؛
كَمُلُوحَةِ الطَّعَامِ، أَوْ نِسْيَانِ طَلَبٍ،
أَوِ الِانْشِغَالِ عَنْ وَعْدٍ «غَيْرِ ضَرُورِيٍّ»،
أَوْ زَلَّةِ لِسَانٍ.
فَهَذِهِ حَيَاةُ جَحِيمٍ لَا تُطَاقُ.
وَلِهَذَا؛
فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَقَبَّلَ الطَّرَفَ الآخَرَ،
وَأَنْ يَتَغَاضَى عَمَّا لَا يُعْجِبُهُ فِيهِ مِنْ صِفَاتٍ أَوْ طِبَاعٍ.
<<لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخَرَ، أَوْ قالَ: غَيْرَهُ.>> مسام
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«تِسْعَةُ أَعْشَارِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي التَّغَافُلِ».
وَالتَّغَافُلُ: هُوَ تَكَلُّفُ الْغَفْلَةِ مَعَ الْعِلْمِ وَالْإِدْرَاكِ،
تَكَرُّمًا وَتَرَفُّعًا عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«مَا زَالَ التَّغَافُلُ مِنْ فِعْلِ الْكِرَامِ».
التَّدْقِيقُ الزَّائِدُ… بَوَّابَةُ الْمُشْكِلَات
وَبَعْضُ الرِّجَالِ – هَدَاهُمُ اللَّهُ –
يُدَقِّقُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيُنَقِّبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
أنس بن مالك: يروي أنه خدم النبي ﷺ عشر سنين، ولم يقل له النبي ﷺ قط كلمة "أُفّ" (تعبير عن الضجر).
لا يلوم على الفعل أو الترك: لم يقل له "لم فعلت كذا؟" إذا فعل شيئاً، ولم يقل له "ألا فعلت كذا؟" إذا ترك شيئاً.
قَالَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
«مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ».
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} التحريم (أخبر حفصة التي أبلغت به عائشة)
وَكَذَلِكَ بَعْضُ النِّسَاءِ؛
تُدَقِّقُ فِي أُمُورِ زَوْجِهَا:
مَاذَا قَصَدَ بِكَذَا؟
وَلِمَاذَا لَمْ يَشْتَرِ لِي هَدِيَّةً فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ؟
وَلِمَاذَا لَمْ يُهَاتِفْ وَالِدَيَّ لِيَسْأَلَ عَنْ صِحَّتِهِ؟
فَتَجْعَلُ الصَّغَائِرَ مُصِيبَةَ الْمَصَائِبِ،
وَتَعُدُّ الْهَفَوَاتِ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ،
وَكَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ بِنَفْسِهَا.
التَّرْكِيزُ عَلَى الْعَيْبِ وَنِسْيَانُ الْفَضَائِل
وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْأَزْوَاجِ:
تَكُونُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ عَادَةٌ لَا تُعْجِبُ الطَّرَفَ الآخَرَ،
أَوْ خَصْلَةٌ تَعَوَّدَ عَلَيْهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهَا،
فَيَدَعُ الطَّرَفُ الآخَرُ كُلَّ صِفَاتِهِ الْحَسَنَةِ،
وَيُوَجِّهُ عَدَسَتَهُ إِلَى تِلْكَ الْخَصْلَةِ وَحْدَهَا،
مُحَاوِلًا اقْتِلَاعَهَا بِالْقُوَّةِ.
فَيَتَضَايَقُ صَاحِبُهَا،
وَتَسْتَمِرُّ الْمُشْكِلَاتُ،
بَيْنَمَا الأَجْدَرُ وَالأَحْكَمُ التَّغَاضِيَ عَنْهَا تَمَامًا.
******
قَاعِدَةُ (٩٩): قِصَّةٌ فِي مَعْنَى الْقَنَاعَة
حُكِيَ أَنَّ مَلِكًا قَالَ لِوَزِيرِهِ:
عِنْدِي كُلُّ شَيْءٍ، وَلَا أَنَامُ،
وَخَادِمِي يَنَامُ مِلْءَ جُفُونِهِ،
وَكُلَّ صَبَاحٍ وَهُوَ فِي غِبْطَةٍ.
فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ:
اسْتَعْمِلْ مَعَهُ طَرِيقَةَ (٩٩).
قَالَ: وَكَيْفَ؟
قَالَ: ابْعَثْ لَهُ كِيسًا فِيهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا،
وَاكْتُبْ عَلَيْهِ: مِائَةُ دِينَارٍ.
فَفَرِحَ الْخَادِمُ،
فَلَمَّا عَدَّهَا وَجَدَ دِينَارًا نَاقِصًا،
فَقَضَى لَيْلَتَهُ يَعُدُّ وَيُعِيدُ الْعَدَّ،
يَتَّهِمُ تَارَةً أَبْنَاءَهُ، وَتَارَةً جَارَهُ،
وَلَمْ يَنَمْ لَيْلَتَهُ، وَأَصْبَحَ مُنْزَعِجًا.
فَقَالَ الْمَلِكُ:
كُلُّنَا يَنْقُصُنَا دِينَارٌ،
يَنْقُصُنَا شَيْءٌ.
فَاخْتَرْ أَنْتَ:
أَتَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَتَرْضَى؟
أَمْ تَعِيشُ عَيْشًا مُرًّا،
وَأَنْتَ لَا تَرَى إِلَّا الدِّينَارَ الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ عَنْكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا؟
وَهُوَ الْقَائِلُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.
الْخُلَاصَة
فَلْنَتَغَاضَ قَلِيلًا،
حَتَّى تَسِيرَ الْحَيَاةُ سَعِيدَةً هَانِئَةً،
وَلَا نَتْرُكَ الصَّغَائِرَ تُكَدِّرُهَا.
وَلْتَلْتَئِمِ الْقُلُوبُ عَلَى الْحُبِّ وَالسَّعَادَةِ،
فَكَثْرَةُ الْعِتَابِ تُفَرِّقُ الْأَحْبَابَ.
أَقْوَالٌ فِي خُلُقِ التَّغَافُل
لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ
لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ».
وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ».
وَقَالَ عَمْرُو الْمَكِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«مِنَ الْمُرُوءَةِ التَّغَافُلُ عَنْ زَلَلِ الْإِخْوَانِ».
وَقَالَ الأَعْمَشُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«التَّغَافُلُ يُطْفِئُ شَرًّا كَثِيرًا».
وَقَالَ جَعْفَرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«عَظِّمُوا أَقْدَارَكُمْ بِالتَّغَافُلِ».
وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
«مِنْ أَشْرَفِ أَخْلَاقِ الْكَرِيمِ التَّغَافُلُ عَمَّا يَعْلَمُ».
***************
الدعاء
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
اللَّهُمَّ زَيِّنْ قُلُوبَنَا بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَأَلْهِمْنَا الْحِلْمَ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالصَّبْرَ عِنْدَ الزَّلَلِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الأزواج وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا سَكَنًا وَمَوَدَّةً وَرَحْمَةً.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْحَامِدِينَ لِنِعَمِكَ، الرَّاضِينَ بِقَضَائِكَ
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقَنِّعْنَا بِمَا قَسَمْتَ، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ شِقَاقٌ فَأَصْلِحْهُ، وَمَنْ كَانَ بَيْتُهُ مُضْطَرِبًا فَاسْكُنْهُ، وَمَنْ فَقَدَ السَّكِينَةَ فَارْزُقْهُ إِيَّاهَا.
اللهمَّ ارزقنا حُسنَ الخُلُق، وألِّف بين قلوبنا،
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
وصَلِّ اللهمَّ وسلِّم على سيّدنا محمّد،
وعلى آله وصحبِه أجمعين.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire